والكلامِ الذي قدمناه فكذا وكذا .
واعلم أن هذه اللفظة يستحب الإتيان بها في الخطب والمواعظ ، ومن عادة البلغاء والعرب العرباء إذا تكلموا في الأمر الذي له شأن ، افتتحوه بذكر الله وتحميده . فإذا أرادوا الخروج إلى الغرض المسبوق إليه ، فصلوا بينه وبين ذكر الله بقولهم: أما بعد .
وقد جاءت في كلام الرسول صلي الله عليه وسلم كثيرًا ، مما يطول تعداده ، من رواية البخاري ومسلم والإمام أحمد وأبي داود وغيرهم . واستعملها اقتداء به مِنْ بعدِهِ الخلفاءُ الراشدون والأئمة المهديون رضي الله عنهم .
وقوله: (( فهذا كتاب ) )، (( ها ) )تنبيه ، و (( ذا ) )أشير به إلى مذكر حاضر . وإنما قلنا هذا ؛ لأن الظاهر أنه عمل الخطبة بعد فراغه من الكتاب ، فتكون الإشارة إليه وهو موجود ؛ لأنه قال رحمه الله تعالى: وعرضته مرارًا على شيخنا . . . إلى آخره . ولا يكون ذلك إلا لموجود حاضر .
والكتاب: هو في الأصل مصدر كتبتْ ، ثم أطلق على المكتوب ؛ كما أطلق على المخلوق خلقًا ، والمصيد صيدًا مجازًا واتساعًا . وجمعه كُتُبٌ وكُتْبٌ . والكَتْبُ في اللغة هو: الجمع . قاله الجوهري وغيره .
وقال الراغب: الكَتْب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة . انتهى .
وهذا أخص من الأول ، ومنه قولهم: كتبْتُ البغلة ، إذا جمعت بين شُفريها بحلقة أو سير .
قال سالم بن دَارَة:
لا تأمننّ فزاريًّا خلوتَ به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
والقَلُوص في الإبل بمنزلة الجارية في الناس .
فالكتب في التعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط . قاله الراغب . والكتاب من هذه المادة ، وهو ضم مسألة إلى أخرى .
وقوله: (( في الفقه ) )، الفقه له معنيان: لغوي واصطلاحي .
أما اللغوي ؛ فاختلفت عبارات الناس فيه . فقال الجوهري: الفقه: الفهم . قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليكم بالفقه أي: بالفهم ، وعلى ذلك أكثر العلماء .