وقوله: (( وما دام أهل الجنة فيها على سرر متقابلة ) )قد تقدم أن (( ما ) )هذه زمانية مصدرية ، ودام الموصولة بها معناه الدوام وهو السكون في اللغة . والأهل أهل الرجل في الأصل: مَن يجمعه وإياهم مسكن ؛ فأهل الجنة هم سكانها وصارت بهم آهلة ، فالجنة في اللغة هي البستان وهي المادة أيضًا .
قال الراغب: الجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض . قيل: وتسمى الأشجار الساترة جنة .
قال الفراء: الجنة: ما فيه النخيل ، والفردوس: ما فيه الكرم .
وأما السرر: فجمع سرير ، والسرير هو الذي يُجلس عليه ، مشتق من السرور ؛ إذ كان ذلك لأولي النعمة .
قال الراغب: وسرير الميت تشبيهًا بسرير النعمة في الصورة ، والتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى جوار الله تعالى ، وخلاصِه من سجنه الذي أشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (( الدنيا سجن المؤمن ) ) [1] .
وأما (( متقابلة ) )التقابل: تفاعل من الإقبال ، وهو أن يقبل بعضهم على بعض إما بالذات وإما بالعناية والتوقر والمودة . وعلى كلا المعنيين تقابل أهل الجنة في قوله تعالى: { على سرر متقابلين } [ الصافات:44 ] . ومتقابلة هنا صفة للسرر ، فيكون التقابل هنا بالذات فقط . والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى: ( وبعد: فهذا كتاب في الفقه على مذهب الإمام المبجل والحبر المفضل ، أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه ) .
ش: قوله: (( وبعد ) )هي مبنية على الضم ؛ لكونها قطعت عن الإضافة ، وهي من الظروف المبهمة: .
أما كونها مبنية في هذه الحالة ؛ فلأن الأصل فيها البناء لشبهها بالحرف ، ووجه الشبه: عدم الاستقبال بالمفهومية ، فتقدير الكلام في قوله: (( وبعد ) )أي: وبعد حمدِ الله
(1) ... أخرجه مسلم في الزهد والرقائق 4/2272ح2956 . وأخرجه الترمذي في الزهد ، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر 4/562ح2324 . وأخرجه ابن ماجة في الزهد ، باب مثل الدنيا 2/1378ح4113 . وأحمد 2/323ح8272.