الطلب ، ثم يجدّ في طلب العلم مجتهدًا في تحصيله ، مبالغًا في تجميله وتفصيله .
وليكن متواضعًا لأستاذه فإن التواضع في هذا المقام رفعة ، وليستفرغ في تبجيله وتعظيمه وُسْعَه ، وليذكر نفسه أن الآخرة خير من الأولى ، وأن الحفظة الكرام يضبطون ما صدر عنه فعلًا وقولًا ، والله المسؤول أن يوفقنا لصالح القول والعمل ، وأن يجنبنا طريق الخلل والزلل ، إنه الموفق الجواد ، لا ربَّ سواه ، ولا إله غيره .
وينبغي لطالب العلم أن لا يترك الطلب ، ولو وصل من العلم في ظنه إلى أعلى الرتب ، ولذلك حمل مالك رضي الله عنه ما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (( من تعلم فعلم وعمل ، دعي في السموات عظيمًا ، ومن ظنّ أنه علم فقد جهل ) ).
على أن الطالب إذا ظنّ أنه قد كمل علمه ، فيبطل تعلمه ، فيحصل له جهل باعتبار ما أعرض عنه .
ومثل ذلك قول الشافعي رضي الله عنه: إذا تصدَّر الحدَثُ فاته علم كثير .
وليعلم أن طلب العلم أفضل من الاشتغال بغيره . ذهب إلى ذلك أكثر العلماء ، وبه قال الإمام أحمد في رواية أبي الثلج قال: سألت الإمام أحمد فقلت له: يا أبا عبدالله أيما أحب إليك الرجل يكتب الحديث ؟ أو يصوم ويصلي ؟ قال: يكتب الحديث . قلت: فمن أين فضلت كتب الحديث على الصوم والصلاة ؟ قال: لئلا يقول قائل: إني رأيت قومًا على شيء فتبعتهم .
وقال الإمام أحمد وقد سأله مهنا: ما أفضل الأعمال ؟ قال: طلب العلم لمن صحت نيته . قلت: وأي شيء تصحيح النية ؟ قال: ينوي يتواضع فيه وينفي عنه الجهل .
قال سفيان الثوري: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم .
وقال الشافعي رضي الله عنه: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
إنما كان كذلك ؛ لأن نفع العلم يتعداه إلى غيره ، بخلاف غيره ، ولذلك يجوز لمن هو مشتغل بالعلم مع كونه قادرًا على التكسب ، أن يأخذ من الزكاة ، ولا يجوز ذلك للمتخلي للعبادة إذا كان قادرًا على التكسب . ذكره صاحب التلخيص من أصحابنا .
وأيضًا فإن الاشتغال بالعلم فرض كفاية . ذكره القاضي أبو يعلى في مقدمة المجرد ، وذكره أبو زكريا النووي من الشافعية وغيرهما .