عارض هذه القاعدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بمكة إحدى وعشرين صلاة يقصر هو وأصحابه ، فمن أقام مثل إقامته قصر بالسنة ، ومن جاوز ذلك أتم بمقتضى القاعدة المذكورة .
تقسيم: وهو أن المسافر إذا حصل في بلده فإما أن لا ينوي الإقامة بالبلد ، وإما أن ينويها مدة عشرين صلاة فأقل أو مدة ثنتي وعشرين صلاة فأكثر وما بين ذلك وهو مدة إحدى وعشرين صلاة ، فإن نوى مدة عشرين فأقل قصر ، وهو اختيار المصنف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجته صبيحة رابع ذي الحجة فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وذلك أربعة أيام مدة عشرين صلاة يقصر فيها ، وإن نوى مدة ثنتين وعشرين صلاة فأكثر أتم لأن القاعدة المذكورة تقتضي ذلك وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجد في هذه المدة حتى يعارضها .
وإن نوى مدة إحدى وعشرين صلاة ففيه الروايتان ؟ القصر كالعشرين فأقل ، وهي قول الخرقي كما تقدم ؛ لأنه أوجب الإتمام في أكثر من إحدى وعشرين ، والإحدى وعشرين على قوله في حد القصر ، والإتمام كثنتي وعشرين فأكثر . ومأخذ الخلاف من حيث القياس ما أشرنا إليه من تردد الإحدى وعشرين بين الطرفين قبلها وبعدها ، أما من حيث السنة فما روى جابر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع ، وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وخرج من مكة متوجهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق ) ) [1] حديث صحيح معناه في الصحيحين وغيرهما .
فأما قول أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرًا فمعناه أن مقامه بمكة ومنى جميعًا كان عشرًا .
قال الإمام أحمد: هذا وجهه ، لا وجه له غير هذا .
قلت: يدل عليه حديث جابر: (( أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة وخرج متوجهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق ) ). ومن رابع ذي الحجة إلى بعد أيام التشريق عشر .
إذا عرف هذا ، فقد بين جابر في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح في اليوم الثامن
(1) ... أخرجه مسلم في الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم 2/886ح1218 .