الثاني: فإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن أو كانا في سفينتين متفرقتين ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح ، اختاره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة ؛ لأن الطريق ليست محلًا للصلاة أشبه ما يمنع الاتصال .
والثاني: تصح ، اختاره شيخنا ، وهو مذهب مالك والشافعي ؛ لأنه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ، ولا هو في معنى المنصوص ؛ لأنه لا يمنع الاقتداء . والمؤثر في المنع ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت ، وليس هذا بواحد منهما .
قولهم: إن بينهما ما ليس محلًا [1] للصلاة ممنوع . وإن سلم في الطريق فلا يصح في النهر بدليل صحة الصلاة عليه في السفينة وحال جموده .
ثم كونه ليس محلًا للصلاة إنما يؤثر في منع الصلاة فيه ، أما في صحة الاقتداء بالإمام فتحكّمٌ محض لا يلزم المصير إليه .
فأما إن كانت صلاة جمعة أو عيد أو جنازة لم يؤثر ذلك فيها ؛ لأنها تصح في الطريق ، وقد صلى أنس في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الإمام وبينهما طريق . والله أعلم . قال هذا في الشرح .
قال الطوفي في شرحه: قلت: ولا يظهر لي وجه اشتراط اتصال الصفوف بالكلية ، ولم أر عليه دليلًا شافيًا . والأشبه أنه متى أمكن المأموم متابعة إمامه في أفعال الصلاة صح ائتمامه به ولو كان بينهما من الأرض فراسخ ، أو من الماء بحرًا ؛ لقوله عز وجل: { واركعوا مع الراكعين } [ البقرة:43 ] احتج به من أوجب الجماعة .
ولقوله عليه الصلاة والسلام: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا ... الحديث ) ) [2] ، وهذا يقتضي أن من أمكنه متابعة إمامه صح ائتمامه . وارتباط الصلاة بالصلاة حاصل بالنية ، ولا يتوقف على اتصال الصفوف .
تقسيم هذه المسألة: أن الإمام والمأموم إما أن يكونا جميعًا في المسجد فحكمهما ذكر . أو في غير المسجد فيشرط اتصال الصفوف على ما قالوا والمشاهدة . أو ما قام
(1) ... في الأصل: محل . وانظر الشرح الكبير 2/76 .
(2) ... سبق تخريجه ص: 162 .