…ومن يجل النظر في قيله هذا يجده منكوسًا، وهو من الشوائب المحضة الخالية من التفسير. فقد جعل العلم والعقل فاروقًا على ما جاءت به نصوص القرآن الكريم. وصيّر نظريات العلم القائمة على الفرض والتخمين أثبت وأرجح من نصوص الوحي القطعية في ثبوتها وفي دلالتها.
…وقال:"ولعل في قوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ } (1) ما يشعر بالمعنى الذي ذهبنا إليه، وهو أن آدم لم يجئ من الطين مباشرة وإنما كان ذلك بعد سلسلة طويلة من التطورات، وبعد عمليات معقدة من التصفية والانتخاب استمرت ملايين السنين حتى انتهت بظهور الإنسان على تلك الصورة التي علا بها جميع أبناء سلالته. وكان أهلًا لتلقي النفخة الإلهية يوم مولده، وكأنها التاج الذي توّج به ملكًا على العالم الأرضي كله، وهذا ما تشير إليه أيضًا الآية الكريمة { مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } (2) ."
…ولا يخفى أن الدكتور الخطيب يتبع هنا أسلوب المغالطة لأن النص يقول عن الإنسان وليس عن آدم. وآدم خلقه بالنص { مِّن طِينٍ } (3) وفي نص آخر { مِّن طِينٍ لَّازِبٍ } (4) ، وفي نص ثالث { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } (5) . وفي نص رابع { كُن فَيَكُونُ } (6) . ففصل النصوص في التفسير، وإهمل قاعدة التفسير المشهورة أن ينظر في التفسير إلى القرآن أولًا، ثم إلى السنة النبوية، ثم إلى اللغة، ثم الاستئناس بأقوال الصحابة والتابعين وممن يعتد بتفسيرهم مع تقديم المعنى الشرعي على المعنى اللغوي، ففصل النصوص وإهمال قاعدة التفسير أدى إلى المغالطة فأدخلت الشوائب.
(1) سورة المؤمنون، الآية: 13.
(2) سورة نوح، الآية: 14.
(3) سورة المؤمنون، الآية: 13.
(4) سورة الصافات، الآية: 11.
(5) سورة ص، الآية 75.
(6) سورة آل عمران، الآية: 59، وسورة البقرة، الآية: 117، وغيرها.