وقد انقسم المشتغلون في تفسير القرآن الكريم بهذه اللفظة على قسمين، قسم يرى ان البناء يعني حرق الجلود واسودادها، والبشر جمع (بشرة) [1] .
والقسم الاخر: يختار معنى ابصار الشيء اي تلوح النار وتظهر لانظار الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهولها، قال الحسن البصري: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام حتى يروها عيانا [2] ، وقال ابو حيان: (( لواحة) بناء مبالغة من (لاح) إذا ظهر) [3] ، والى ذلك المعنى ذهب الآلوسي.
والذي يبدو ان دلالة البناء قد خصصت بعد ان كانت عامة، اذ استعملها التعبير القرآني بمعنى الظهور والابصار من مكان بعيد، يؤيد ذلك ما ذكره المولى (عز وجل) في وصف تلك النار (( لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ) ) [المدثر:28] .
وقوله تعالى: (( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) ) [القيامة:2] .
قال الآلوسي: (( اللوامة) هي النفس المتقية التي تلوم النفوس يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى والمبالغة بكثرة المفعول) [4] .
وسبقه الى ذلك المعنى ابي حيان، إذ قال: (وكل نفس متوسطة ليست بمطمئنة ولا امارة بالسوء فأنها لوامة في الطرفين مرة تلوم على الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فأذا اطمأنت خلصت وصفت) [5] .
وهي صفة مدح في النفس التي اكتسبت بعض الفضيلة، وعلى هذا يجيء القسم بها سائغًا حسنًا، فالمؤمن لاتراه إلا لائمًا لنفسه، وهي مبالغة في اللوم كثيرة التردد والتقلب والتلون، مترددة بين الخير والشر، وهي نفس تعد في المنزلة الوسطى بين الامارة بالسوء التي اغرقها الظلام وانحرفت عن جادة الصواب، وبين النفس المطمئنة التي هي اعلى مراتب النفس، وهذا ما اشار اليه الفراء بقوله: (ليس من نفس برة او
(1) ينظر: الكشاف4/ 650.
(2) ينظر: التفسير الكبير30/ 202.
(3) البحر المحيط8/ 367.
(4) روح المعاني29/ 211.
(5) البحر المحيط8/ 375.