إلى الزواج الطاهر العفيف الطيب، حيث يضع الرجل الطيب بذرته في حرث طيب، فأبى هؤلاء المجرمون إلا أن يقبعوا في وحل الرذيلة كما قال تعالى: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) [1] .
وقد يقول قائل: وأين العلاج في هذا وهو لم يجدِ نفعًا مع قوم لوط، والجواب: إننا في معرض الكلام عن الوقاية من هذه الجريمة النكراء والسلوك المنكوس، وهذا والله أعلم موضع النفع حيث يدرأ المرء هذه الممارسات المجرمة عن نفسه وعمن يعول بصرفها إلى الحلال الطيب، أما بعد التلبس بفاحشة اللواط والسحاق، فلقد قدمنا الكلام على أن هذا كالمقتول بل هو أشد، إذ يغلب ألا يجدي علاجٌ مع هؤلاء، وهذا الذي كان مع قوم لوط، فهو عليه السلام قد دلهم على العلاج من باب الأمر الشرعي والنذارة قبل حلول غضب الله تعالى عليهم، في حين أن تمكن هذه الرذيلة منهم كان من قبيل الأمر الكوني، وهذا هو المشاهد في الأعم الغالب، وهذا هو الذي يدعونا لإعلان صيحة النذير واستنفار حراس الفضيلة في مجتمعاتنا قبل استفحال الأمر، ولقد أصبح الأمر جد خطير، واستعلن المجرمون بفاحشتهم، ولا حول ولا قوة إلا الله.
والمقصود أن الإسراع في تزويج الأولاد بعد بلوغهم الحلم يمثل حصنًا حصينًا وعلاجًا قرآنيًا يصرف غريزة الجنس الفطرية السليمة وجهتها السليمة، ويقي من تلبسها بالسلوك المنحرف، فالمشغول لا يُشغل، والحلال مندوحة عن الحرام، والله المستعان.
وإن مما يدخل في هذا الباب أيضًا إحياء سنة تعدد الزوجات، وإن الحكمة المقصودة والمتوخاة من التعدد في سياق محاربة رذيلة اللواط والسحاق، إتاحة الفرصة للنساء للزواج حيث لا يخفى وفرة النساء نسبة للرجال، لا سيما في مجتمعاتنا المسلمة التي تعرضت ولا تزال إلى حروب عدوانية طاحنة قتلت الملايين ولا تزال، وكذلك إتاحة الفرصة للرجال لشغل الغريزة الجنسية السليمة في الحرث الحلال الطيب، ومعلوم أن الزوجة لا تستطيع القيام بحقوق العشرة الزوجية في أوقات عذرها الشرعي، كما أنها قد تحتاج بعض الراحة في أوقات الانشغال بالحمل والرضاع، فلا يُترك الرجل عرضةً للوقوع في الحرام، وليس هذا على كل حال موضع التفصيل في حكمة التعدد، وإنما ننبه هنا على أن في هذا الحلال الطيب مندوحة عن الحرام بكل أنواعه، قال الله تعالى: (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورُباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) [2] .
وإذا كانت الآية الكريمة قد صرفت الرجل إلى تعدد الزواج من الحرائر غير اليتيمات بمهورهن الكاملة، خشية أن يبخس اليتيمة التي في حجره مهرها الذي تستحقه، وهذه مصلحة غير متعلقة بمسألة الزوجية والمعاشرة تعلقًا مباشرًا، فمن باب أولى أن يُصرف الرجل إلى الزواج والتعدد الحلال الطيب حمايةً له من الوقوع في الحرام الذي هو من جنس المعاشرة الجنسية، والله تعالى أعلم.
(1) سورة هود - آية 79
(2) سورة النساء - آية 3