أيدي هؤلاء، ويقيم عليهم حدود الله الزاجرة التي تصون المجتمع وتحميه من استشراء الفاحشة وانتشار المنكر، وإلا هلك المجتمع بأسره.
ولقد صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" [1] .
ولقد شرع الله تعالى العقوبة الغليظة على هذه الفاحشة النكراء، بل أهلك قومًا عن بكرة أبيتهم، واستأصل شأفتهم كما تقدم لإعلانهم بفاحشة اللواط، ثم جاءت السنة النبوية المطهرة لتشرع حدَّ هؤلاء المجرمين، وتذكرهم منسوبين إلى سلفهم السيء من أهل الخبائث، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" [2] ، وأجمع الصحابة على قتل اللوطي وإنما اختلفوا في صفة قتله، وقد حكى هذا الإجماع الحافظ ابن قيم الجوزية، والإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله في المغني [3] ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ولعن الله من عَمِل عَمَل قوم لوط، ولعن الله من عمِل عمَل قوم لوط، ولعن الله من عمِل عمَل قوم لوط" [4] ، ولم يكرر اللعن ثلاثًا في غير هذاه الفاحشة النكراء، كما قال الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله.
ونحن على يقين من أن تطبيق حد الله عز وجل في بعض هؤلاء المنحرفين كفيلٌ بردع أصحاب الشهوات وعباد الأهواء المتتبعين للقاذورات، وكفيل بحماية المجتمع المسلم وصيانته بإذن الله من هذه النجاسات، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حدٌ يُعمل به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمطروا أربعين صباحًا" [5] ، فهذا هو سبيل المؤمنين أن يذعنوا لحكم الله ويطبقوا أوامره ويقيموا حدوده، كما قال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) [6] ، أما من أراد محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا تسأل عن حاله، ولا ترتجي خيرًا في مآله، وها هم المسلمون بعد عقودٍ من تعطيل الحكم بما أنزل الله، وتعطيل حدود الله عز وجل لا يزالون يتردون في دركات الجهل والضلال، فماذا جرت علينا الأحكام الوضعية والقوانين العلمانية غير الفحش والتفحش والكفر والفسوق والعصيان، ولن تفيد حينذاك صيحات التأوه والندم عندما يكتشف الأب أن ابنه لوطي خبيث، وتكتشف الأم أن ابنتها سحاقية خبيثة، عياذًا بالله من سوء الخاتمة، وعياذًا بالله من سوء العاقبة.
ويلتحق بتعطيل حد اللواط والسحاق في الأرض تعطيل فريضة الحسبة أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أمر يحتاج إلى تصنيف مستقل، وأكتفي بالتذكير بهذا الوعيد الشديد الوارد في الحديث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه يقول:"يا"
(1) صحيح البخار ي - حديث 2493، ومعنى استهموا: اقترعوا
(2) سنن الترمذي - حديث 1456
(3) الداء والدواء - 295، والمغني - 9/ 58
(4) سنن البيهقي الكبرى - حديث 16794
(5) سنن ابن ماجة - حديث 2538
(6) سورة النور - آية 51