وذِكْرُه للآيةِ في معرضِ حديثِه عن عذابِ القبرِ دَليلُ جهْلِه، فالآيةُ
لا تتحدَّثُ عن عذابِ القبر، وإِنما تتحدَّثُ عن الموت، الذي لا بُدَّ أَنْ يُصيبَ الإِنسانَ مهما فَرَّ منه.
والآيةُ شبهُ الصريحةِ في عذابِ القبر هي قولُ اللهِ - عز وجل:
(وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) .
وذكَرَ الحديثَ الذي رواهُ البخاريُّ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ عجوزان من عجائزِ يهودِ المدينة، فقالَتا: إِنَّ أَهلَ القُبورِ يُعَذَّبونَ في قبورِهم، فكذَّبْتُهما، فَخَرَجَتا..
ودَخَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلْتُ له ما قلْتُ لهما، وإِني لم
أُصَدِّقْهما في ذلك، فقال:"صَدَقَتا، إِنهم يُعَذَّبون في قُبورِهم عذابًا تَسمعُه"
البهائمُ كلُّها.
فما رأيْتُه بعدَ ذلك في صلاةٍ إِلّا تعوَّذَ من عذابِ القبر"."
ثم ذَكَرَ حديثًا آخَرَ في تَعَوُّذِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من العجزِ والكسلِ والجبنِ والبخلِ وعذابِ القبر، وحَديثًا ثالثًا في سؤالِ الملَكَيْن لمن يوضَعُ في قبرِه.
وعَلَّقَ على تلك الأَحاديثِ الثلائة قائلًا:"ونحنُ نسأَل: إِذا كان الميتُ"
يَسمعُ ويتعذَّبُ في القبر، فلماذا لا يَسمعُ عذابَ أَهلِ القبرِ إِلّا البهائم؟
وإِذا كان أَهلُ المقابرِ الذين يَعترفونَ بنبوَّةِ محمدٍ يُعْفَوْنَ من العذاب، فلماذا كان النبيُّ نفسُه دائمًا يتعوَّذُ من عذابِ القبر؟
لعلَّ خُرافةَ العجوزَيْن (اللتَيْن كذَّبَتْهما عائشة) تَعودُ إِلى أنهما سمعتا عن شخصٍ دُفِنَ بسرعةٍ بعدَ أَنْ ظَنّوه مات، ولما أَفاقَ في القبرِ استغاث، وليسَ مَنْ يُغيث، فماتَ، فخرجَتْ إِشاعَةُ أَنَّ أَهلَ القبورِ يُعَذَّبون!!"."
بهذا التفسيرِ الساذج، الذي يدلُّ على الغَباء، يُفَسِّرُ الفادي الجاهلُ
عذابَ القبر: شابّ أُغْمِيَ عليه، فظُنَّ أَنه مات، فدُفِنَ في قبرِه، وهناك
استيقَظ، فصاحَ وصَرَخَ واسْتَغاث، وماتَ الموتَ الحقيقي..
ولما سمع الناسُ صُراخَه (ولا أدري كيفَ سمعوه) أَشاعوا إِشاعةَ عَذابِ القبر!!.