يفوضون ولا يؤولون. ولكن المبطل لابد أن يفتضح أمره ويظهر سره مهما حاول كتمانه أو نمق بيانه.
وليعلم بعد هذا أننا لم ندرك كنه أنفسنا بل ولا كنه شيء من الأشياء التي يقع علينا حسنًا وإنما تعرف منها ظواهرها لا غير وأما حقيقيتها وكنهها ولماذا كانت تلك الظواهر وكيف تكوننت هذه الأشياء وما أوائلها فلا سبيل إلى معرفته. وقد نقلنا ذلك عن أساطين علم الطبيعة بأوروبة في مقالاتنا التي رددنا بها على الطبيعيين في مجلة الأزهر من سنتها الأولى، خصوصًا العدد الثاني من تلك السنة، فليس الجهل بالكنه خاصًا بالملائكة، بل هم عام في كل شيء. وبعد هذا فلو كان الإيمان متوفقًا على معرفة الكنه لم يكن أحد مؤمنًا بالله - عز وجل -.
ثم قال مفرعًا على ما ذكره من تلك التشكيكات: (فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر تقاليد حفت بالمخاوف لا علوم حفت بالسكينة والطمأنينة) ونقول له إنها علوم بلغت عندنا أعلى مراتب اليقين ولله الحمد. وما ذكرته من الشبه هو أوهى من بيت العنكبوت.
ثم نقول لك ولمن هو على مذهبك: ارجعوا إلى أنفسكم فإن الذي وقر فيها هو مذهب الماديين لا مذهب المسلمين. فإن الله لا يريد أن نؤمن بتلك القوى التي نعرفها في المادة ولو كان الأمر على ما زعمتم لكان الماديون أرسخ قدمًا منا في الإيمان بالملائكة، وليت شعري ما فائدة ذلك العناء فإني أراه عبثًا صرفًا لا ينفعنا ولا ينفع الماديين فإن ذلك غير كاف في الإيمان بالملائكة.