على أن الخلق في البعث يتفرقون فيذهب كل واحد إلى غير جهة الآخر. والمبثوث: المتفرق. وقد قال في الآية الأخرى: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} ، وإنما شبههم بذلك لكثرتهم وعدم توجههم إلى جهة واحدة لحيرتهم ومزيد دهشتهم.
{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} : أي كالصوف المندوف، وذلك لانها تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند الندف. وإنما جمع بين حال الناس وحال الجبال كأنه تعالى نبه على تأثير تلك القارعة في الجبال العظيمة الصلدة الصلبة حتى تصير كالعهن المنفوش فكيف حال الإنسان الضعيف عند سماع صوت القارعة؟
ثم لما ذكر حال القيامة قسم الخلق على قسمين فقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } : يعني رجحت موازين حسناته ويصح أن يكون جمع موزون فيكون المراد به العمل الذي له قدر وخطر عند الله تعالى، وأن يكون جمع ميزان وهو الذي له لسان وكفتان توزن فيه الأعمال فيؤتى بالحسنة في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فإن رجحت فله الجنة، ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فلا يكون لها وزن هذا، وقد قيل إنما توزن أعمال المؤمنين، فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار فيقتص منه على قدرها ثم يخرج منها فيدخل الجنة، أو يعفو الله عنه بفضله وكرمه.