والكتب السماوية، من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، فإذا رأيت مثلًا - عالمًا محرومًا، وجاهلًا مرزوقًا، أو فاجرًا معافي يمرح كما يشاء وصالحًا قد أحطت به أنواع البلاء إلى آخره ولم ينفذ نظرك المقصور على الظواهر إلى إدراك سر ذلك، ولم تعرف الحكمة فيه أوجب عليك الدليل القاطع أن تثبت العجز عن معرفة الحكمة إلى نفسك لا أن تشك في حكمة الحكيم - عز وجل -.
وإني ألفت نظرك إلى أن طلب لمية الأفعال والبحث عن علتها موجب للشرك والكفر، لأن العقول البشرية قاصرة عن إدراك حكمة الله في مخلوقاته.
[وما كفر المانوية والثانوية إلا بخوضهم في مثل ذلك] فلما حكموا عقولهم الضعيفة وآراءهم الفاسدة قالوا: إن للعالم إلهيم: إلهًا للخير وإلهًا للشر، لأن إله الخير لا يكون مصدرا للشر، وإله الشر لا يكون محلًا للخير، وقد غفلوا عن أن الحكمة الألهية لا يحيط بها محيط وأن الشر قد يستتبع الخير، وقد يكون وجود الشر الجزئي واجبًا في نظر الحكمة وأن المراعي في ذلك هو النظام العام لا خصوص الأشخاص وأعيان الجزئيات، ولم يفطنوا إلى كمون الشر في الخير ولا إلى أن الشر قد يكون شرًا في نظرهم لا في الواقع {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}