هؤلاء المبشرون كانوا يثيرون السخرية مرة، والاستغراب أخرى، ويحوزون على إعجاب ذوي التمني الفكري آنا ثالثا. فلسنا أمام قول جديد، ولكنا أمام حملة شاعرية جديدة، مليئة بالترداد والعاطفة. مشحونة بالبحث عن عالم للأنس والسلم والسعادة بلا حرب ولا مواجهة أفكار لو زينت واستكملت لكانت أشبه بالمدن الفاضلة أو بجمهوريات الفلاسفة التي يسمونها طوباويات. وجمهوريات الفلاسفة مهما أغرقوا في خيالهم ففيها طابع الإنسان وطباعه مهذبة حسب ذوق وعصر كل فيلسوف! ويحافظون غالبا في مدنهم الخيالية على طبقة المحاربين، على خلاف فريق كاتبنا، ومهما زعم أي منهم أن جمهوريته هي النهائية وأن مدينته هي"مدينة الله"كما زعم أوغسطين فإنها لم تتحقق بعد كما أرادوا، وتنهمر الدماء على أطرافها كل يوم. وأنجح تجارب الناس في جمهورياتهم الخيالية المثالية التي طبقت بالعسف جمهورية القرامطة وجمهورية لينين -ولا أقول ماركس- وهي جمهوريات بشرية ورغم انحرافها الشديد فقد بقي فيها الناس ناسا. أما جمهورية الدكتور خالص جلبي فهي عيادة طبيب، دون مقصات ولا مشارط ولا شيء مما يزعج الجسد والعين، ممرضات وممرضون وأطباء يمرحون في سلام وأمن وينصحون بأنواع نافعة من غذاء البدن والعقل، قد صحت العقول والأجسام فهي حتى لا تحتاج لأي عملية جراحية مهما صغرت. وغابت المطامع والأهواء وتحققت الحاجات، وتساوت الأرزاق، ومات الغضب بتهذيبه والترويع من نتائجه"الحروب".