الوجه الأكمل والأفضل الذي يُرضي ربنا - عز وجل - تعينت الإقامة وحط الرحال في ذلك المكان .. والهجرة ما شُرعت من ديار الكفر والفسق والظلم إلا لتحقيق هذه الغاية العظمى. [50]
قال الشيخ أبو بصير:"من وقع في المخالفة أو الكفر بسبب التأويل أو الفهم الخاطئ للمراد من النص، وكان النص يحتمل هذا الفهم من جهة مدلولاته اللغوية .. لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بإزالة ما أشكل عليه فهمه من النص الشرعي". [51]
ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن طلق بن حُبيب، قال: كنت أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، فسألت جابرًا، فقال: يا طُليق سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"يخرجون من النار بعد دخول"ونحن نقرأ الذي تقرأ. وفي رواية عند أحمد: فإن الذي قرأت أهلها هم المشركون، ولكن قوم أصابوا ذنوبًا فعُذبوا بها ثم أُخرجوا .. (انظر صحيح الأدب المفرد: 629.)
فطلق من كبار التابعين ومع ذلك كان يكذب بالشفاعة ـ رغم ثبوتها بالكتاب والسنة! ـ متأولًا بعض نصوص الكتاب التي نزلت وقيلت في المشركين .. فحملها متأولًا على عصاة أهل القبلة .. إلى أن صحح له خطأه جابر بن عبد الله رضي الله عنه .. ! [52]
تنبيه: ليس كل تأويل يعذر صاحبه ويمنع من تكفيره، فمن كان كفره بسبب تأويل لا تحتمله لغة النص ولا الدلائل والقرائن المحيطة به، كتأويلات الباطنية الغلاة وغيرهم لشعائر الدين، فمثل هذا النوع من التأويل ـ هو في حقيقته تحريف وتكذيب وجحود ـ لا يعذر صاحبه، ويوقعه في الزندقة والكفر البواح ولا بد، وتسمية تحريفهم تأويلًا لا ينفعهم في شيء .. ! [53]
فمثل هذه التأويلات لا يعذر أصحابها، بل هي حجة عليهم و دلالة على زندقتهم. و الزنديق هو الذي يدعو إلى الكفر البواح و يحاول أن يثبت أن هذا الذي يدعو إليه هو من الإسلام. و كذلك المنافق المظهر للكفر يسمى زنديقا إذا قامت عليه البينة فجحد و لم يعترف. فإذا ثبت كفره، فإنه يقتل بلا استتابة.
قال الشيخ أبو بصير:"فإن قيل: هل للتأويل المستساغ حدٌّ معلوم وثابت بحيث نحكم على كل من تجاوزه ببطلان تأويله، وعدم عذره بالتأويل .. ؟"