أما إذا توفرت لدى المخالف الاستطاعة والقدرة على دفع السبب الذي أدى به إلى المخالفة أو الوقوع في المحظور، ثم هو ـ ركونًا إلى الدنيا وانشغالًا بها وزينتها ـ لا يعمل على دفعه، ولا يبذل جهده المستطاع للتخلص منه، فإنه حينئذٍ لا يجوز أن يُعتبر مانعًا من موانع لحوق الوعيد، كما لا يعذر صاحبه لو وقع في المخالفة، ويكفر بعينه إن كانت المخالفة أو المحظور الذي وقع فيه من الكفر الأكبر.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم} (التغابن:16) . وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:286) . قال ابن كثير في التفسير: أي لا يُكلَّف أحدٌ فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم ا- هـ.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"متفق عليه." [49] "
و قال الشيخ أبو بصير:"لذا نقول: إذا كان المرء ـ الذي يعيش في المناطق النائية عن العلم ومظانه ـ يستطيع أن يرحل إلى الأماكن التي يتوفر فيها العلم الشرعي ـ ولا يوجد ما يعيقه عن ذلك ـ ثم إيثارًا للدعة والأوطان، والأموال لا يتحرك له ساكن، ولا يبذل جهده في دفع الجهل عنه، فهذا لو وقع في الكفر بسبب تقصيره هذا، لا يعذر بالجهل، لتوفر الاستطاعة لديه على دفعه .. لكنه لا يفعل!"
فالمسلم خُلق لغاية ـ ترخص في سبيلها كل الغايات والمقاصد ـ لا يجوز له أن يغفل عنها، أو يتوانى في طلبها وتحقيقها على الوجه الذي يُرضي ربنا - سبحانه وتعالى -، ألا وهي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56) . وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة:31) . وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة:5) . فالله تعالى لم يخلقنا إلا لشيء واحد .. ولم يأمرنا إلا بشيء واحد .. ألا وهو عبادته وحده - سبحانه وتعالى - بالمعنى الشامل للعبادة التي تستغرق جميع المساحة الزمانية والمكانية التي يعيشها الإنسان، والشاملة لجميع ما يحبه الله تعالى من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. وغاية كهذه لا يجوز للعبد أن ينشغل عنها بشيء أو يصده عنها شيء .. أو يتعذر عنها بعذر يستطيع دفعه، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (العنكبوت:56) . فالله تعالى وسع على عباده الأرض ليعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، فإن ضاقت عليهم في بقعة من الأرض تحركوا وهاجروا إلى بقعة أخرى تتحقق فيها سلامة العبادة والدين .. فحيثما تتحقق لهم سلامة العبادة والدين على