وهو عمل زائد عن مجرد الحكم بغير ما أنزل الله، وصفته: أن ينحي الحاكم شرع الله تعالى ـ أو بعض شرعه ـ عن الحكم والوجود، ويستبدله بشرائع وقوانين أخرى مضاهية هي من صنع البشر المخلوق .. ويقدم العمل بها على شرع الله تعالى .. ويجعل من هذه الشرائع والقوانين المستبدلة قانونًا ملزمًا للعباد والبلاد!
فهذا العمل قولًا واحدًا هو كفر أكبر على أي وجه وقع وتم .. وصاحبه يكفر بعينه بالنص والإجماع؛ لا يجوز أن يُقال فيه ما قيل في مجرد الحكم بغير ما أنزل الله؛ أن منه ما يكون كفرًا أكبر ومنه ما يكون دون ذلك .. كفر دون كفر!
والدليل على ذلك قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} (المائدة:50) .
قال ابن كثير في التفسير2/ 70: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم"الياسق"؛ وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهود والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون {ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون} ا- هـ.
قلت: وشبيه الياسق الذي أشار إليه ابن كثير الدساتير التي اصطنعتها طواغيت الحكم في هذا العصر، وألزموا بها البلاد والعباد، وقدموها على الحكم بالكتاب والسنة، وأضفوا عليها من القدسية والمكانة ما لم يجعلوه لكتاب الله تعالى، وجعلوا لها في قلوب الناس من الرهبة والخشية ما لم يجعلوه لكتاب الله تعالى .. وهذا هو عين الكفر البواح.
بل هذه الدساتير الوضعية المعاصرة هي أكفر من ياسق التتار .. والذين وضعوها هم أكفر من الذين وضعوا ياسق التتار؛ لتضمن ياسق التتار على بعض الشرائع المأخوذة من الإسلام ـ كما يقول ابن كثير ـ بخلاف هذه الدساتير المعاصرة التي يخلو كثير منها من ذكر للفظ الجلالة"الله"- سبحانه وتعالى - .. !!