وَيَخْرُجُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ, وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: {وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَبْلُغُ بِكُمْ حَدَّ الإِزْرَاءِ بِهِ, وَالِاسْتِخْفَافِ لَهُ, فَتَكْفُرُوا، وَتَحْبَطُ أَعْمَالُكُمْ, إِلاَّ أَنْ تَتُوبُوا وَتُسْلِمُوا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} فَلَيْسَ عَلَى أَنَّ الْمَنَّ يُحْبِطُ الصَّدَقَةَ، وَإِنَّمَا وَجْهُهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ يَبَتغِي بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى جَدُّهُ، وَهُوَ الْمَأْمُولُ مِنْهُ ثَوَابها، فَإِذَا مَنَّ الْمُتَصَدِّقُ عَلَى السَّائِلِ وَآذَاهُ بِالتَّعْيِيرِ فَقَدْ صَرَفَهَا عَنِ ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللهِ بِهَا إِلَى وَجْهِ السَّائِلِ, فَحَبِطَ أَجْرُهُ عِنْدَ اللهِ لِهَذَا, وُوصِلَتْ عِنْدَ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ, لأَنَّهُ إِنْ كَانَ حَبَاهُ فَقَدْ آذَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَخْزَاهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى إِفْسَادِ الطَّاعَةِ بِالْمَعْصِيَةِ لَمْ تَخْتَصَّ بِالْبُطْلاَنِ صَدَقَتُهُ.
وَبَسَطَ الْكَلاَمَ فِيهِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ سَيِّئَاتِ الْمُؤْمِنِ مُتَنَاهِيَةُ الْجَزَاءِ، وَحَسَنَاتِهِ لَيْسَتْ بِمُتَنَاهِيَةٍ, لأَنَّ مَعَ ثَوَابِهَا الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ، فَلاَ يُتَوَهَّمُ أَنْ تَكُونَ التَّبَعَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْمُؤْمِنُ بِسَيِّئَةٍ تَأْتِي عَلَى ثَوَابِ حَسَنَةٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ.