ثُمَّ قَالَ: {الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . فَنَسَخَ الْحُكْمَ الأَوَّلَ, وَأَثْبَتَ الثَّانِيَ, كَذَلِكَ هَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الَّذِي كَتَبْتُهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ جُمْلَةٍ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي هَذَا الْبَابِ, فِيمَا أَخبَرنا أَبُو عَمْرٍو الأَدِيبُ عَنْهُ، وَذَكَرَ فِيمَا لاَ يُؤَاخَذُ بِهِ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ, مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ: لَكَ النَّظْرَةُ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ, إِذَا كَانَتِ الأُولَى لاَ عَنْ قَصْدِ تَعَمُّدٍ، فَإذا أَعَادَ النَّظَرَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ الْخَطْرَةَ.
قَالَ البَيهَقيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وإِذَا تَحَقَّقَ الْخَطْرَةُ, فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ النَّظَرَ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: النَّسْخُ لاَ يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُ, أَنَّهُ كَانَ وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ، وَيَجْرِي عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا أَخْبَرَ اللهُ أَنْ يَفْعَلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِشَرْطٍ, وَإِخْبَارِهِ عَمَّا فَعَلَهُ لاَ يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فِيهِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْوُجُوهِ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَ ابْنُ عُمَرَ الآيَةَ, وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْعَفْوِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ كَرَمٌ مِنْهُ, وَفَضْلٌ, وَلَيْسَ بِخُلْفٍ. قَالَ: وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ مِنَ الْأخْبَارِ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ, فَالنَّسْخُ فِيهِ جَائِزٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ, وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ الْمَاضِي أَوْ عَنْ زَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ.