فَأَمَّا الْوَجْهُ الأَوَّلُ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} وَقَالَ: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} , وَقَالَ: {لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} وَقَالَ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} وَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وَمَعْنَاهُ وَاللهُ أَعْلَمُ: أَنْزَلْنَا الرَّسُولَ الْمُودَّى لَهُ بِهِ, فَيَكُونُ الرَّسُولُ مُنْتَقِلًا مِنْ عُلُوِّ إِلَى سُفْلٍ, مُؤَدِّيًا لِلْكَلاَمِ الَّذِي حَفِظَهُ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الآيَةِ قَبْلَهَا، وَهُوَ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ, عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلى الله عَلَيه وَسَلم, فَيَكُونُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مُنْتَقِلًا بِهِ مِنْ مَقَامِهِ الْمَعْلُومِ إِلَى الأَرْضِ مُوَدِّيًا لَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلى الله عَلَيه وَسَلم، وَأَخْبَرَ فِي الآيَةِ قَبْلَهَا أَنَّهُ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَفِي الآيَةِ قَبْلَهَا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ, لاَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} فَفَصَلَ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ مَخْلُوقًا، لَمْ يَكُنْ لِتَفْصِيلِهِ مَعْنًى، وَقَالَ: {لَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} وَالسَّبْقُ عَلَى الإِطْلاَقِ يَقْتَضِي سَبْقَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ، وَقَالَ: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ} فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مَخْلُوقًا تَعَلَّقَ بِقَوْلٍ آخَرَ، وَذَلِكَ حُكْمُ ذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِمَا لاَ يَتَنَاهَى، وَذَلِكَ مُحَالٌ.