فَلَمَّا لَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ وَلاَ ادَّعُوهُ صَحَّ أَنَّهُمْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْهُ، وَفِي ظُهُورِ عَجْزِهِمْ بَيَانُ أَنَّهُ فِي الْعَجْزِ مِثْلُهُمْ, إِذْ كَانَ بَشَرًا مِثْلُهُمْ, لِسَانُهُ لِسَانُهُمْ, وَعَادَتُهُ عَادَتُهُمْ, وَطِبَاعُهُ طِبَاعُهُمْ, وَزَمَانُهُ زَمَانُهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ بِالْقُرْآنُ, فَوَجَبَ الْقَطْعُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى جَدُّهُ, لاَ مِنْ عِنْدِهِ, وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ ذَكَرُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ, فَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ لاَ يَعْدُو أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مُحَاكَاةً وَسَرِقَةً, وَبَعْضُهُ كَأَسَاجِيعِ الْكُهَّانِ، وَأَرَاجِيزِ الْعَرَبِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيه وَسَلم يَقُولُ مَا هُوَ أَحْسَنُ لَفْظًا، وَأَقُومُ مَعْنًى، وَأَبَيْنُ فَائِدَةً، ثُمَّ لَمْ تَقُلْ لَهُ الْعَرَبُ هَا أَنْتَ تَتَحَدَّانَا عَلَى الإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ، وَتَزْعُمُ أَنَّ الإِنْسَ وَالْجِنَّ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ جِئْتَ بِمِثْلِهِ مُفْتَرًى, إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللهِ, وَذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ.
وَقَوْلُهُ:
تَاللهِ لَوْلاَ اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
وَقَوْلُهُ:
إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِهْ.