فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 11953

وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنَ التَّعْطِيلِ بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ مُبْدِعٌ كُلَّ شَيْءٍ سِوَاهُ, فَلأَنَّ قَوْمًا مِنَ الأَوَائِلِ خَالَفُوا الْمُعَطِّلَةَ، ثُمَّ خُذِلُوا عَنْ بُلُوغِ الْحَقِّ, فَقَالُوا: إِنَّ الْبَارِئَ مَوْجُودٌ, غَيْرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ، وَسَبَبٌ لَهَا, بِمَعْنَى أَنَّ وُجُودَهُ اقْتَضَى وُجُودَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى تَرْتِيبٍ لَهُمْ يَذْكُرُونَهُ، وَأَنَّ الْمَعْلُولُ إِذَا كَانَ لاَ يُفَارِقُ الْعِلَّةَ, فَوَاجِبٌ إِذَا كَانَ الْبَارِي لَمْ يَزَلْ أَنْ يَكُونَ مَادَّةَ هَذَا الْعَالَمِ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ، فَمَنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ الْمُبْدِعُ الْمُوجِدُ الْمُحْدِثُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ مِنْ جَوْهَرٍ، وَعَرَضٍ بِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ الْمُخْتَرِعُ لَهَا لاَ مِنْ أَصْلٍ فَقَدِ انْتَفَى عَنْ قَوْلِهِ التَّعْلِيلُ الَّذِي هُوَ فِي وُجُوبِ اسْمِ الْكُفْرِ لِقَائِلِهِ كَالتَّعْطِيلِ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنَ الشَّرِيكِ فِي التَّدْبِيرِ بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ لاَ مُدَبِّرَ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودِاتِ إِلاَّ اللهُ فَلأَنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ تُدَبِّرُ الْعَالَمَ, وَسَمَّوْهَا آلِهَةً، وَقَدْ قَالَ اللهُ عز وجل لِلْمَلاَئِكَةِ: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} وَمَعْنَى الْمُدَبِّرَاتِ: الْمُنَفِّذَاتِ لِمَا دَبَّرَ اللهُ عَلَى أَيْدِيهَا كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنَفِّذُ حُكْمَ اللهِ بَيْنَ الْخُصُومِ حَاكِمٌ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُدَبِّرُ مَا تَحْتَهَا, وَأَنَّ كُلَّ كَائِنَةٍ، وَحَادِثَةٍ فِي الأَرْضِ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ آثَارِ حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَافْتِرِاقِهَا، وَاقْتِرَانِهَا، وَاتِّصَالِهَا، وَانْفِصَالِهَا, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهَا، فَمَنْ أَثْبَتَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْمُدَبِّرُ لِمَا أَبْدَعَ، وَلاَ مُدَبِّرَ سِوَاهُ، فَقَدِ انْتَفَى عَنْ قَوْلِهِ التَّشْرِيكُ فِي التَّدْبِيرِ الَّذِي هُوَ فِي وُجُوبِ اسْمِ الْكُفْرِ لِقَائِلِهِ, كَالتَّشْرِيكِ فِي الْقِدَمِ، أَوْ فِي الْخَلْقِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ ضَمَّنَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَمَرَ الْمَأْمُورِينَ بِالإِيمَانِ أَنْ يَعْتَقِدُوهَا وَيَقُولُوهَا، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله} وَقَالَ: فِيمَا ذَمَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ قولوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ اسْتَكْبَرُوا، وَلَمْ يَقُولُوا, بَلْ قَالُوا مَكَانَهَا: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت