فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 11953

فَأَمَّا الْبَرَاءَةُ بِإِثْبَاتِ الْبَارِئِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَالِاعْتِرَافُ لَهُ بِالْوُجُودِ مِنْ مَعَانِي التَّعْطِيلِ, فَلأَنَّ قَوْمًا ضَلُّوا عَنْ مَعْرِفَةِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَكَفَرُوا، وَأَلْحَدُوا، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لاَ فَاعِلَ لِهَذَا الْعَالَمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلاَ مَوْجُودَ إِلاَّ الْمَحْسُوسَاتُ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ الْكَوَائِنَ وَالْحَوادِثَ إِنَّمَا تَكُونُ وَتَحْدُثُ مِنْ قِبَلِ الطَّبَائِعِ الَّتِي فِي الْعَنَاصِرِ وَهِيَ: الْمَاءُ، وَالنَّارُ، وَالْهَوَاءُ، وَالأَرْضُ، وَلاَ مُدَبِّرَ لِلْعَالَمِ يَكُونُ مَا يَكُونُ بِاخْتِيَارِهِ وَصَنِيعِهِ.

فَإِذْ أَثْبَتَ الْمُثْبِتُ لِلْعَالَمِ إِلَهًا، وَنَسَبَ الْفِعْلَ وَالصُّنْعَ إِلَيْهِ, فَقَدْ فَارَقَ الإِلْحَادَ والتَّعْطِيلَ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَذَاهِبَ الْمُلْحِدِينَ، وَالْقَائِلُونُ بِهِ يُسَمِّيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الإِلْحَادِ الْفِرْقَةَ الْمُتَجَاهِلَةِ, وَيَدْعُونَهُمْ غَيْرَ الْفَلاَسِفَةِ، أَمَا الْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ, فَلأَنَّ قَوْمًا ادَّعَوْا فَاعِلَيْنِ, وَزَعَمُوا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَفْعَلُ الْخَيْرَ، وَالآخَرَ يَفْعَلُ الشَّرَّ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ بَدْءَ الْخَلْقِ كَانَ مِنَ النَّفْسِ, إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْهَا لاَ عَلَى سَبِيلِ السَّدَادِ، وَالْحِكْمَةِ, فَأَخَذَ الْبَارِئُ عَلَى يَدِهَا، وَعَمَدَ إِلَى مَادَّةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعَهُ لاَ تَزَال، فَرَكَّبَ مِنْهَا هَذَا الْعَالَمَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ السَّدَادِ وَالْحِكْمَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت