فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 421

أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل؛ فإنه - - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعث ليعلّمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطبّ ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. فلا ينبغي أن يُحمل شيءٌ من الطبِّ الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدلّ عليه. اللهم إلا إذا استُعمل على جهة التبُّرك وصدق العَقْدِ الإيماني, فيكون له أثرٌ عظيم في النفع » [1]

فلا أدري ما يأتي كلام ابن خلدون (رحمه الله) هذا مع كلام الله تعالى ورسوله - - صلى الله عليه وسلم - وإجماع أهل العلم؟!

وأمّا احتجاجُه بحديث تلقيح النخل, فقد أبطلنا حجّته، بل بانَ أنه حجّةٌ عليه!

وأمَّا قوله: إن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - لم يُبعث لتعريف الطبّ, فما في هذا الخلاف، لكن إذا تكلّم النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - بالطبّ, كما قد وقع، فأيّهما الأكمل لشأنه - - صلى الله عليه وسلم - ؟ أن نقول: إنه لم يأت لتعريف الطبّ، وأن كلامه فيه باطل، وأنه أطلق عباراتٍ من غير يقين لتضرَّ الناسَ ولا تنفعهم!!!

أم أن نقول: إنه وإن لم يأت لتعريف الطبّ، لكن دلّ أمته بالوحي على أصول من أصول التداوي؛ كما جاء في القرآن الكريم قولُه تعالى:"يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ" [النحل:69] ، وما ادُّعِيَ في القرآن لهذا ولغيره من أخبار الكون والعلوم المختلفة أنه ليس وحيًا؛ بحجّة أنه لم يأتِ إلا للشرعيّات!!!

بأيّ حجّة يُخرجُ أحاديثَ الطبِّ من النصوص الدالة على أنه - - صلى الله عليه وسلم - لا ينطقُ إلا بوحيٍ: ابتداءً، أ و إقرارًا، أ و تصويبًا. أمّا ما صرّح - - صلى الله عليه وسلم - بأنه قاله بالظن، كما في حديث تلقيح النخل، فهذا قد صَرّح - - صلى الله عليه وسلم - فيه أنه ليس وحيًا، فلا حُجّة فيه على ما قطع به؛ للتباين الكبير الواضح بين الخبرين الصادرين عنه - - صلى الله عليه وسلم -: الخبر المظنون، والمُتَيَقَّن، فهو تباينٌ واضحٌ وضوحَ الفرق بين اليقين والظنّ!.

(1) - مقدمة ابن خلدون (493 - 494) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت