المبحث الخامس
بيان الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي [1]
اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري وفي عصر مالك وسفيان وبعد ذلك قومٌ يكرهون الخوضَ بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط، إلا لضرورة ، لا يجدون منها بدا، وكان أكبرُ همِّهم روايةَ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعَن شَقِيقٍ قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَن شَىْءٍ فَقَالَ: إِنِّى لأَكْرَهُ أَنْ أُحِلَّ لَكَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، أَوْ أُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ. [2]
وعن الصَّلْتَ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَن مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لِى: كَانَ هَذَا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: آللَّهِ؟ قُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَعْجَلُوا بِالْبَلاَءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيُذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلاَءِ قَبْلَ نُزُولِهِ لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن إِذَا سُئِلَ سَدَّدَ ، وَإِذَا قَالَ وُفِّقَ. [3]
وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم فيما لم ينزل ،وعَن جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ فِى الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِن فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ فَلاَ تُفْتِ إِلاَّ بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. [4]
وعَن أَبِى نَضْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرَةَ أَتَيْتُهُ أَنَا وَالْحَسَنُ ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: أَنْتَ الْحَسَنُ؟ مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْبَصْرَةِ أَحَبَّ إِلَىَّ لِقَاءً مِنكَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّكَ تُفْتِى بِرَأْيِكَ ، فَلاَ تُفْتِ بِرَأْيِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سُنَّةٌ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ. [5]
(1) - الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 15) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 287)
(2) - سنن الدارمى ( 148) صحيح
(3) - سنن الدارمى (155) فيه انقطاع
(4) - سنن الدارمى (166) صحيح
(5) - سنن الدارمى (165) صحيح