الباب الأول
حجية السنَّة النبوية
من المعلوم عند علماء المسلمين جميعا أن السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله، أجمعت على ذلك أمةُ الإسلام منذ عهد رسولنا صلى الله عليه وسلم وإلى زماننا هذا.
ومعنى كون السنة هي المصدر الثاني للتشريع أنها واجبة الاتباع والتنفيذ، وهي في ذلك مثل القرآن الكريم سواء، ولكن أعداء الإسلام ومعهم بعض من ينتسبون زورا وبهتانا إليه لا يروقهم ذلك، وهم ما فتئوا بين الحين والآخر يشككون في السنة، ويحاولون النيل منها، حتى يصلوا في النهاية إلى الكيد للإسلام كختام الرسالات السماوية جميعا.
ومن بين أقوالهم الزائفة قولهم: علينا بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط، فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، من بين يديه ولا من خلفه، وهو المصدر الأول للإسلام وهو الذي سلم من التغيير والتبديل الخ، ويحاولون أن يستدلوا على دعواهم الزائفة هذه بحديث موضوع ينسبونه زورا وبهتانا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول هذا الحديث المختلق المصنوع الذي يرويه القائلون بعدم استقلال السنة بالتشريع،"إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق فخذوه، وما خالف فاتركوه" [1]
(1) - هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من رِوَايَة عَلّي كرم الله وَجهه، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة جبارَة بن الْمُغلس - وَهُوَ ضَعِيف - عَن أبي بكر بن عَيَّاش ، عَن عَاصِم بن أبي النجُود ، عَن زر ، عَن عَلّي رَفعه: «إِنَّهَا سَيكون بعدِي رُوَاة يروون عني الحَدِيث، فأعرضوا حَدِيثهمْ عَلَى الْقُرْآن، فَمَا وَافق الْقُرْآن فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لم يُوَافق الْقُرْآن فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ» .
ثمَّ قَالَ: هَذَا وهم، وَالصَّوَاب عَن عَاصِم عَن زيد بن عَلّي مُرْسلا عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
الثَّانِي: من حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْوَضِين بن عَطاء، عَن سَالم، عَن أَبِيه مَرْفُوعا: «مَا أَتَاكُم من حَدِيثي فاقرأوا كتاب الله واعتبروه، فَمَا وَافق كتاب الله فَأَنا قلته ، وَمَا لم يُوَافق كتاب الله فَلم أَقَله» .
الْوَضِين قَالَ أَحْمد: مَا بِهِ من بَأْس. وَلينه غَيره .
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث ثَوْبَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث يزِيد بن ربيعَة، عَن أبي الْأَشْعَث ، عَن ثَوْبَان مَرْفُوعا: «إِن رَحى الإِسلام دَائِرَة» قَالُوا: كَيفَ نصْنَع يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «اعرضوا حَدِيثي عَلَى الْكتاب، فَمَا وَافقه فَهُوَ مني، وَأَنا قلته » .يزِيد هَذَا قَالَ البُخَارِيّ: أَحَادِيثه مَنَاكِير. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك .
الطَّرِيق الرَّابِع: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، رَوَاهُ الْهَرَوِيّ فِي ذمّ الْكَلَام من حَدِيث صَالح بن مُوسَى، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: « إِنَّه سَيَأْتِيكُمْ عني أَحَادِيث مُخْتَلفَة، فَمَا جَاءَكُم مُوَافقا لكتاب الله وسنتي فَهُوَ مني، وَمَا جَاءَكُم مُخَالفا لكتاب الله وسنتي فَلَيْسَ مني » .
وَصَالح هَذَا هُوَ الطلحي الواهي . قَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك .
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة من حَدِيث أبي جَعْفَر رَفعه: «مَا جَاءَكُم عني فاعرضوه عَلَى كتاب الله فَمَا وَافقه فَأَنا قلته، وَمَا خَالفه فَلم أَقَله » .
قَالَ الشَّافِعِي فِي رسَالَته: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ رجل مَجْهُول، وَهُوَ مُنْقَطع، وَلم يروه أحد يثبت حَدِيثه .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَجْهُولِ خَالِد بن أبي كَرِيمَة، فَلم يعرف من ذَلِك مَا يثبت بِهِ خَبره .
قلت: إِن كَانَ هُوَ الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة فقد عرف، رَوَى عَنهُ شُعْبَة ووكيع وَجَمَاعَة، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف الحَدِيث.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ من أوجه أخر كلهَا ضَعِيفَة قد بينتها فِي الْمدْخل .
قلت: أخرجه فِي الْمدْخل من حَدِيث الْأَصْبَغ بن مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور بلاغًا بِنَحْوِهِ .
ثمَّ قَالَ: رِوَايَة مُنْقَطِعَة عَن رجل مَجْهُول .
ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ، ثمَّ من وَجه آخر ضَعِيف.
وَقَالَ: هَذَا إِسْنَاد لَا يحْتَج بِهِ .
وَقَالَ فِي كتاب الْمدْخل إِلَى دَلَائِل النُّبُوَّة: الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ فِي عرض الحَدِيث عَلَى الْقُرْآن بَاطِل لَا يَصح .
قَالَ: وَهُوَ ينعكس عَلَى نَفسه بِالْبُطْلَانِ ، فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن دلَالَة عَلَى عرض الحَدِيث عَلَى الْقُرْآن .
[قلت: فَهَذَا الحَدِيث لَهُ طرق كَمَا ترَى .
وَمن الْأَعَاجِيب قَول بعض شرَّاح هَذَا الْكتاب: إِنَّه غير مَعْرُوف ]من حَدِيث أبي هُرَيْرَة .
وَقَالَ: تفرد بِهِ صَالح الطلحي، وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ ، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ. انظر موضوعات الصغاني - (ج 1 / ص 4) وكشف الخفاء ومزيل الإلباس ( 220) وتذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج - (ج 1 / ص 27)