المبحث الثالث
هل اجتهادُ النبي - - صلى الله عليه وسلم - - ينافي كون السنَّة وحيٌ ؟
فإن قيل: فما قولكم في اجتهاد النبي - - صلى الله عليه وسلم - ؟ إن قلتم بجواز اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - ، فقد رجعتم عن قولكم في أن السنّة وحي، وبالتالي رجعتم عن الإلزام بالتصديق والطاعة؛ لاحتمال الخطأ في الاجتهاد. وإن منعتم الاجتهاد عنه - - صلى الله عليه وسلم - , ماذا تفعلون بالنصوص الدالة على اجتهاده - - صلى الله عليه وسلم - ؟
والجواب:
أن وقوع الاجتهاد من النبي - - صلى الله عليه وسلم - مسألةٌ خلافيّة بين العلماء، فمنهم من منعه، مستدلًّا بأدلة عصمة الأنبياء عليهم السلام. ومن أهل العلم من نقل الإجماع على جواز اجتهاد النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، ومنع من وقوعه في أمور الدين [1] .
ومنهم من جَوّز الاجتهاد في أمور الدين، وهو قول الجمهور، واختلفوا: هل هو معصومٌ في اجتهاده, وفي ذلك يقول أبو المظفّر السمعاني [2] : « وإنما تحرم المخالفة, وإن كان صدر عن اجتهاد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان معصومًا عن الخطأ في الأحكام، فإن كان معصومًا عن الخطأ محروسًا عن الزّلل، كان ما يصدر عنه محكومًا بصحّته، مقطوعًا بذلك؛ فلذلك حَرُمت مخالفته » .
ومنهم من قال هو غير معصوم لكنه لا يُقَرُّ على الخطأ، ووقع الإجماعُ على عدم الإقرار بالخطأ مطلقًا [3] , سواءً كانت دنوية أو دينيّة، ومما يدل على ذلك آيات عتابه -صلى
(1) - البحر المحيط للزركشي (4/214) ، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (8/3889) .
(2) - في قواطع الأدلة (4/84- 85)
(3) - المسوّدة لآل تيمية (79، 190) .
ومما يدل على ذلك آيات عتابه -صلى الله عليه وسلم-, مما يدل على حصول الاجتهاد منه -صلى الله عليه وسلم-, ووقوع الخطأ، وأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقرّ عليه.
ومن ذلك أيضًا: حديث عائشة ل، قالت: دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وعندي امرأةٌ من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تُفْتَنُون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وقال:"إنما تُفْتَنُ يهود". قالت عائشة: فلبثنا لياليَ، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"هل شعرتِ أنه أُوحِىَ إليَّ أنّكم تُفتنون في القبور؟". قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَعْدُ يستعيذُ من عذاب القبر. (أخرجه مسلم: رقم 584) .
وقد شرحه الطحاوي في مشكل الآثار (13/191 - 198) ، والقرطبي في المفهم (2/207 - 208) والنووي في المنهاج شرح مسلم (3/87- 88) وغيرهم: بما دلَّ عليه ظاهر الحديث: أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- نفى فتنة القبر أوّلًا عن أهل التوحيد، اجتهادًا منه، لمّا وجد أماراتٍ تدلُّ على أن عذاب القبر خاصٌّ بالكفار. ثمّ أُوحي إليه بأن من أهل التوحيد من يُعذّب في قبره، فرجع عن اجتهاده، وأخبر بما نزل عليه به الوحي في ذلك.
وفي هذا الحديث إلزامٌ قويٌّ لمن احتجّ باجتهاد النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في أمور الدنيا وخطأه فيها، كما في حديث تأبير النخل، على أن السنة في أمور الدنيا ليست وحيًا. فهذا الحديث وقع فيه للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- اجتهادٌ في أمر عقدي من أمور الدين، وأخطأ فيه، فهل سيلتزمون بطريقة استدلالهم: أن السنة في أمور العقيدة أو الدين عمومًا ليست وحيًا؟! هذا مما يدل على وهاء استدلالهم.