بَعِيدٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعٍ - لَمْ يَعْدَمْ أَحَدُهُمْ أَحَدَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ؛ وَلَوْ وَقَعَ لَمْ يَقْدَحْ فِي إمَامَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّا لَا نَعْتَقِدُ فِي الْقَوْمِ الْعِصْمَةَ ، بَل تَجُوزُ عَلَيْهِمْ الذُّنُوبُ وَنَرْجُو لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ؛ لِمَا اخْتَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ ،وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلَى ذَنْبٍ ،وَلَيْسُوا بِأَعْلَى دَرَجَةٍ مِن الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ، وَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَذَلِكَ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ مِن الْفَتَاوَى وَالْقَضَايَا وَالدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّارِكَ الْمَوْصُوفَ مَعْذُورٌ بَل مَأْجُورٌ لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَتَّبِعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لَا نَعْلَمُ لَهَا مُعَارِضًا يَدْفَعُهَا، وَأَنْ نَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُمَّةِ وَوُجُوبَ تَبْلِيغِهَا . وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ [1] .
إذا كَانَ الخبرُ قَدْ تَضَمَّنَ حُكْمًا عِلْمِيًّا مِثْلَ الْوَعِيدِ وَنَحْوِهِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ طَوَائِفُ مِن الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ إذَا تَضَمَّنَ وَعِيدًا عَلَى فِعْلٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ فِي الْوَعِيدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا ،وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَتْنُ قَطْعِيًّا لَكِنَّ الدَّلَالَةَ ظَاهِرَةٌ ،وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا قَوْلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا ،فعَنِ الْعَالِيَةِ قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا فَأَتَتْهَا أُمُّ مُحِبَّةَ فَقَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَكُنْتِ تَعْرِفِينَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِنِّى بِعْتُهُ جَارِيَةً لِى إِلَى عَطَائِهِ بِثَمَانِمِائَةٍ نَسِيئَةً وَإِنَّهُ أَرَادَ بَيْعَهَا بِسِتِّمِائَةٍ نَقْدًا. [2] فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَمَا اشْتَرَى أَبْلِغِى زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنْ لَمْ يَتُبْ [3] .
وعن يُونُسَ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ , عَن أُمِّهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ أَنْفَعَ , قَالَتْ:خَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مَحَبَّةَ إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا , فَقَالَتْ لَنَا:"مَن أَنْتُنَّ ؟", قُلْنَا: مِن أَهْلِ الْكُوفَةِ , قَالَتْ: فَكَأَنَّهَا أَعْرَضَتْ عَنَّا , فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ مَحَبَّةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ
(1) - انظر مجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 9 / ص 145) فما بعدهت
(2) - العطاء: هو ما كان يعطيه الأمراء للناس من قرارتهم وديوانهم الذي يقررونه لهم في بيت المال ، كان يصل إليهم في أوقات معلومة من السنة .
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 5 / ص 330) برقم (11113) ومصنف عبد الرزاق برقم (14813و14814) والدراقطني في السنن برقم (3045) حسن