نَزَلَ عَلَيْهِ ثُمّ أَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوّرَتْ وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً ثُمّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ" [1] "
فهذا أمرٌ من أمور السياسة الحربيّة، وهو من أخص أمور الدنيا، ويدعوهم النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - للمشورة, ومع ذلك لا يبادرون بالردّ, لأنه إما وحيٌ, أو اجتهادٌ ممّن أحرى به أن يصيب الصواب!!
أين هذا ممن جعل كل خبر له - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، ولو كان خبرًا جازمًا ليس وحيًا؟!!
أرأيتم لو أمرهم - - صلى الله عليه وسلم - دون مشورة، ماذا كانوا سيفعلون؟! أرأيتم كيف خشوا أن يكون ما مال إليه من المصالح وحيًا؟!
مع أنه في أمر من أمور الدنيا، ومع أنه - - صلى الله عليه وسلم - يشاورهم فيه!! رحم الله الأنصار، وأبناء الأنصار!
وهذا الذي كان عليه الصحابة من طاعة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في كل أمر، سواء في الدين أو الدنيا، أكثر من أن يحتاج إلى انتزاع دليل عليه، أو أن نَنْصَب في تسويد صفحاتٍ فيه.
وما زال علماء الملّة كذلك، وهذه مصنّفاتهم من الموطأ للإمام مالك (ت179هـ) ، إلى المسانيد والمصنّفات، إلى كتب الصحاح والسنن = كلّها لا تفرّق بين أحاديث النبي - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا عن أمور الدين، مَنْ كان يبوّب يبوّب بما يدل عليه لفظها، ومن كان لا يبوّب يوردها بالسياق الذي يورد فيه غيرها من السنن، فلا أمور الدنيا عندهم بدون أمور الدين في وجوب التثبت لها والتحرّي في شأنها، ولا تجنّبوا العناية بتدوينها وكتابتها، بل هي أحاديثُ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ، كلُّها عندهم سواء. بل نصّوا على التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب والفضائل، ولا نصّوا على التساهل في أحاديث الطِّبّ مثلًا.
والعجب ممن يترك النصوص المتواترة والأدلّة المتكاثرة وإجماعَ علماء الأمّة، ليتمسّك بقول ابن خلدون (ت808هـ) عن الطب النبوي: « والطبُّ المنقولُ في الشرعيّات من هذا القبيل (يعني الطب التجريبي) ، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمرٌ كان عاديًا للعرب، ووقَعَ في ذكر أحوال النبي - - صلى الله عليه وسلم - من نوع ذِكْر أحواله التي هي عادةٌ وجبلّةٌ، لا من جهة
(1) - سيرة ابن هشام - (ج 1 / ص 620) ودلائل النبوة للبيهقي (874) صحيح مرسل