الخبر الجازم من النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، الذي يفهم المخاطَبون به أنه حقٌّ وصِدْق، وهو بخلاف ذلك، فيما لو أُقر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فيه على الخطأ. فإنه يؤدّي إلى تحريف الحقيقة، وتشويه الدين..
ولذلك عَلّق القاضي عياض على حديث التأبير بقوله: « وقول النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ها هنا للأنصار في النخل ليس على وجه الخبر الذي يدخله الصدق والكذب، فَيُنَزَّهُ النبيُّ - - صلى الله عليه وسلم - عن الخُلْف فيه، وإنما كان على طريق الرأي منه, ولذلك قال لهم: (( إنما ظننت ظنًا, وأنتم أعلم بأمر دنياكم ) ) (قال القاضي:) وحكمُ الأنبياء وآراؤهم في حكم أمور الدنيا حكمُ غيرهم، من اعتقاد بعض الأمور على خلاف ما هي عليه، ولا وُصِمَ عليهم في ذلك، إذ هِمَمُهُم متعلّقةٌ بالآخرة والملأ الأعلى وأوامِر الشريعةِ ونواهيها، وأمرُ الدنيا يُضادُّها » [1] .
فانظر كيف جعل سبب عدم عَدِّ ما وقع منه - - صلى الله عليه وسلم - في هذا الخبر خُلْفًا للواقع هو أنه رأيٌ وظنٌّ واجتهادٌ، ولم يجعل السبب أنه من أمور الدنيا. ولذلك لمّا ساوى بين الأنبياء وغيرهم في أحكام الدنيا ينبغي أن يُحْمَل قوله على أحد أمرين: إمّا على مساواة ظنّهم واجتهادهم في احتماله الخطأ لظنّ غيرهم في مطلق هذا الاحتمال، وهو الذي يشهد له فاتحة كلامه. وإمّا أن يُحملَ على حوادث الأعيان التي لا عموم لها، فاجتهادهم فيها غير معصوم.. لا ابتداءً ولا انتهاءً.
وكيف يُفهم كلام القاضي عياض على خلاف ذلك، وقد نقلنا آنفًا كلامًا له يقطع بأنه لا يخالفه, والذي قال في خاتمته متحدثًا عن أقواله - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا: « وأنه - - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ من الخُلْف، هذا فيما طريقُه الخبر المحض, مما يدخله الصدق والكذب» [2]
فالجمعُ بين قوليه يُبَيِّنُ مُرادَهُ بوضوح، خاصة مع تنبيهه (رحمه الله) أن كلامَ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في تأبير النخل لم يكن خبرًا أصلًا، وإنما كان ظنًّا؛ لأن الخبر هو الذي يحتمل التصديق والتكذيب، وأمّا الظن فلا يحتملهما، وإن كان يحتمل التخطئ والتصويب. وهذا هو
(1) - إكمال المعلم للقاضي عياض (7/334-335) .
(2) - الشفا للقاضي عياض - مع شرحه لملا علي القاري- (4/471) .