إذن فيلزمهم أن لا يقولوا: إن ذلك النصّ قاعدةٌ عامّة, بل عليهم أن يقولوا: إن المقصود به بعض أمور الدنيا لا كلّها، أو بعض أخباره - - صلى الله عليه وسلم - عن أمور الدنيا لا كُّ أخباره - - صلى الله عليه وسلم - عنها. ثم لابُدّ بعد هذا التبعيض أن يبيّنوا كيفيّة تمييز هذا النوع من ذاك، وإلا أدّى عدم التمييز إلى إبطال الكل، وما هذا في السوء إلا كالذي هربنا منه، من إنزال النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - دون منزلة بقية العقلاء؛ لأن القولين أدّيا إلى ردِّ كل أخباره - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، وكأنّ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لهم:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"على هذا الفَهْم السقيم يُشرّع لهم مخالفته في كل أمور الدنيا، وكأنه يقول لهم: لا تطيعوني في أمور دنياكم أبدًا، إنما الطاعة في الدين فقط!!! وما أقبح هذا من فهم!! وما أسوأ أثره على الدين والدنيا!!!
ونحن نعلم أن هناك فرقًا بين أحكامه - - صلى الله عليه وسلم - في حوادث خاصّة، مما لا عموم لها، كحكمه بين الخصوم للقضاء، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ » . [1]
مما يُعبّر عنه العلماء بأنه حادثة عين لا عموم لها، فهناك فرقٌ بين هذه وبين إطلاقاته العامّة التي لا علاقة لها بفرد ولا اختصاص لها بأحد، وإن كان بعضُها قد جاء لسبب، إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وهذه الأحكام الخاصّة التي لا عموم فيها (كحكمه - - صلى الله عليه وسلم - على سبيل القضاء والإمامة والسياسة) هي التي ربما عَبّر عنها العلماء بأمور الدنيا، التي لا يلزم أن تكون بوحي، بل التي قد يحكم النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - فيها بحكم ولا يُصَوَّب ويكون مخالفًا للواقع. لأنّ الخطأ في هذه الأمور لا يؤدّي إلى خطأ في التصوّر للأمة كلها إلى قيام الساعة، ولا يَفْهَمُ الناسُ منه أنه حكمٌ يتعدَّى إلى غير من حُكم له أو عليه، ولا يَؤُولُ إلى خلل في بلاغ الدين.
لذلك لو أخطأ النبي -صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأمور ولو لم يصوَّب هذا الخطأ لا يكون في ذلك خطر على صحّة تبليغ الشريعة، ولا يؤدّي ذلك الخطأ -لو وقع- إلى تحريف معالم الدِّين؛ ولذلك لم يكن هناك ضرورة مطلقةٌ إلى تصويب مثله. وهذا بخلاف
(1) - صحيح مسلم (4570) -الألحن: الأعرف والأقدر على بيان مقصوده