فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 421

يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » [1] .

وَقَالَ: « إِذَا كَانَ شَىْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْر دِينِكُمْ فَإِلَىَّ » [2] . وَهُوَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ التَّلْقِيحِ لَكِنْ هُمْ غَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَهَاهُمْ كَمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ ( الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ ) و ( الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ ) هُوََ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ ». [3]

ثالثًا: قوله - - صلى الله عليه وسلم - في اللفظ الذي يحتجّ به المخالفون:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، لم يأت مبتورًا بلا قصّة، ولا كان هو اللفظ الوحيد الذي جاء به هذا الخبر، والروايات الصحيحة يفسّر بعضها بعضًا، بل هي أولى ما يُفسَّر به الحديث.

فالنبيّ - - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، إنما قاله لما صَرّح لهم بالظنّ والاجتهاد، وما دام هذا هو سياق الخبر، فالمعنى على هذا السياق: إذا أخبرتكم بالظنّ وكان عندكم يقينٌ بخلافه مما تعلمونه من أمور دنياكم [4] ، فقدّموا يقينكم بالأمر الدنيوي على ظنّي فيه .

ومن ثَمَّ: لم يكن قوله - - صلى الله عليه وسلم -:"أنتم أعلم بأمر دينكم"قاعدةً عامّةً في أمور الدنيا، ولا يصحّ أن يُتصَوَّر هذا في عموم العقلاء والحكماء أصلًا، فضلًا عن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - . فإنه مما لا شكَّ فيه أن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - كان له من العقل والحكمة ما يجعله باجتهاده أقدرَ على تسيير كثير من أمور الدنيا في السياسة العامة وترتيب أمر الدولة وإصلاح المجتمع وغير ذلك بما لا يصل إليه أعلمُ أهل الدنيا علمًا بها. فكيف يصحُّ تصوّرُ فَهْمِ المخالفين، من أن قوله - - صلى الله عليه وسلم -:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"قاعدةٌ عامّةٌ في كل أمور الدنيا؟!!

هلّا أنزلوا النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - منزلة عامة العقلاء الذين لا بدّ أن يكون للواحد منهم من اليقين في أمور الدنيا اليقينيّاتُ الكثيرة!!

(1) - صحيح مسلم (6275)

(2) - مسند أحمد (12880) صحيح

(3) - مجموع الفتاوى - (ج 18 / ص 11)

(4) - لأن أمور الدين لا يمكن أن يكون عندهم فيها يقينٌ، ولا يكون عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه إلا الظنّ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت