فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 421

الفرق بين: القول الجازم وهو الخبر المحض، فلا يصحُّ اعتقادُ خُلْفِه؛ لأنّ الخُلْفَ فيه يدلُّ على التكذيب. وأمّا الظنّ والاجتهاد فاعتقادُ الخُلْفِ فيه لا يدلُّ إلا على اعتقاد الخطأ، فلم يكن فيه معارضة لمقام النبوّة.

رابعًا: في هذا الحديث (حديث تأبير النخل) حجّةٌ قويّةٌ على المخالفِين، من جهة إظهار الفهم الذي كان مستقرًّا في قلوب الصحابة -رضي الله عنهم- عن سنَّة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ، ولو كانت في أمرٍ من أمور الدنيا. فإنهم -رضي الله عنهم- ما إن سمعوا بإرشاده في ترك التأبير، حتى سارعوا بتركه دون مراجعة، وهُمْ أهل النخل العارفون بضرورة تأبير النخل لإصلاحه. فقدّموا ما فهموا أنه جزمٌ منه - - صلى الله عليه وسلم - , فَرجَّحُوهُ على يقينهم؛ لأن اليقين المتلقَّى عن الوحي أقوى من أي يقين سواه؛ فإن الله قادرٌ على تبديل السُّنَن، والسنن لا تخالف أمر الله تعالى.

ثم إن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - لم يخطئهم في اتباعهم لأمره، ولو كان من أمور الدنيا، بل خطّأهم في عملهم بظنّه الذي صرّح لهم فيه أنه مجرّد ظنّ:"إني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن". وقد تقدّم بيان هذا، أنّ خطأهم في اتّباعهم الظنّ مع معارضته ليقينهم، لا في اتّباعهم له في أمر من أمور الدنيا.

فالصحابةُ -رضي الله عنهم - قد بلغ تعظيمهم لأمر النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمر الدنيا والدين، أنهم قدّموا ظنونه - - صلى الله عليه وسلم - على يقينيّاتهم!!

ما أبعد هذا ممّن أراد أن يقدّم ظنون نفسه على يقينيّاته - - صلى الله عليه وسلم - !!! وهي كل خبر جازم أقرّه الله تعالى عليه، سواء أكان في دين أو دنيا.

وللصحابة من الحوادث التي تُثبت أن هذا هو ما فهموه من علاقته - - صلى الله عليه وسلم - بالوحي ما لا يدخل تحت الحصر، ومن أصرح ذلك: ما جاء في قصّة الأحزاب، من مَيْل النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - إلى مصالحة غطفان على نصف تمر المدينة، لينفضّوا عن الأحزاب.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الْحَارِثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: نَاصِفْنَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ ، وَإِلَّا مَلَأْتُهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا ، فَقَالَ:"حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ: سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ"يَعْنِي: يُشَاوِرُهُمَا ، فَقَالَا: لَا وَاللَّهِ ، مَا أُعْطِينَا الدَّنِيَّةَ مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت