فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى قوله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ..} (64) سورة النساء، نجد أن الله تعالى يقرر هنا قاعدة ليست في حق نبينا صلى الله عليه وسلم فقط، بل في حق الأنبياء جميعا، وهذه القاعدة هي: أن كل رسول جاء من عند الله يجب أن يطاع. والأصلُ في ذلك أن الله تعالى لا يرسل رسولا إلا إذا كانت هناك بيئة محتاجة إليه من الناحية العقلية والخلقية والاجتماعية: وكل مناحي الحياة.
وكلُّ رسول يأتي بالمنهج الذي يصلح الخلل في تلك البيئة، فإذا كانت هناك بيئة محتاجة، ورسول يأتي بما يلبي تلك الحاجة، فلماذا لا يطاع هذا الرسول، إن عدم الطاعة، حينئذ، هو نوع من العناد والجحود والتكبر، كما أن في عدم الطاعة اتهاما للرسالة بالقصور واتهاما للرسول، وكل ذلك غير جائز.
ومن أهم الآيات دلالة على وجوب التمسك بالسنة أيضا، قول الله تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء ، إن الله تعالى في هذه الآية يقسم، وحينما يقسم الله تعالى فإن الأمر خطير، ويقسم الله تعالى بنفسه وهي مرات قليلة في القرآن الكريم، تلك التي أقسم الله تعالى فيها بنفسه ليدلنا على أهمية ما يطرحه بعد القسم، فالمقسِم هو الله، والمقسَم به أيضا هو الله تعالى، والمقسم عليه هو أن إيمان المؤمنين لا يتمُّ ولا ينعقد إلا إذا حكَّموا الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شئون حياتهم، ومن المعلوم بالضرورة أننا نحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم بذاته وهو حيٌّ، فإذا انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حكّضمنا سننه.
على أنه ليس فقط أن نحكم الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته، بل لا بد وأن تمتلئ قلوبنا بالرضا والسعادة بهذا الحكم النبوي، وأن نخضع له خضوعا كاملا مع التسليم التام.
وقد يسأل سائل، لماذا اشتراط الرضا بالحكم النبوي ؟ ألا يكفي أن نطبقه ؟ والجواب هو: ولماذا لا نرضى بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم، هل لأننا نشعر أننا ظلمنا ؟ هل لأننا نبحث عن حكم آخر أفضل منه ؟ كلا وحاشا، إن كل ذلك لا يجوز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.