وهنا أنبّه إلى وَهَمٍ قد ينقدح في بعض الأذهان، وهو أن القول بوجوب الطاعة المطلقة للنبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ، لا يعني أن كلَّ ما صدر من النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - يقتضي الوجوب، ولا يقول هذا أحد. وإنما المقصود وجوب الامتثال لما دلّت عليه السنة، سواء أكانت قوليّة أو فعليّة أو تقريريّة، فقد تدلُّ على الوجوب أو التحريم، وقد تدلُّ على الاستحباب أو الكراهة، وقد تدلُّ على الإباحة. فالواجب امتثال دلالة السنة مطلقًا، دون استثناء؛ إلا ما لا حاجة إلى استثنائه، لوضوحه.
وقد احتج بعضهم بحديث أَبِى قَتَادَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ فَقَالَ « إِنَّكُمْ إِنْ لاَ تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا » . وَانْطَلَقَ سَرَعَانُ النَّاسِ يُرِيدُونَ الْمَاءَ وَلَزِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَمَالَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاحِلَتُهُ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَدَعَمْتُهُ فَأَدْعَمَ ثُمَّ مَالَ فَدَعَمْتُهُ فَأَدْعَمَ ثُمَّ مَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَنْجَفِلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَدَعَمْتُهُ فَانْتَبَهُ فَقَالَ « مَنِ الرَّجُلُ » . قُلْتُ أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ « مُذْ كَمْ كَانَ مَسِيرُكَ » . قُلْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ « حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَ رَسُولَهُ » . ثُمَّ قَالَ لَوْ عَرَّسْنَا فَمَالَ إِلَى شَجَرَةٍ فَنَزَلَ فَقَالَ « انْظُرْ هَلْ تَرَى أَحَدًا » . قُلْتُ هَذَا رَاكِبٌ هَذَانِ رَاكِبَانِ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً. فَقَالَ « احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا » . فَنِمْنَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ فَانْتَبَهْنَا فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَارَ وَسِرْنَا هُنَيْهَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ « أَمَعَكُمْ مَاءٌ » . قَالَ قُلْتُ نَعَمْ مَعِى مِيضَأَةٌ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ. قَالَ « ائْتِ بِهَا » . فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ « مَسُّوا مِنْهَا مَسُّوا مِنْهَا » . فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ وَبَقِيَتْ جَرْعَةٌ فَقَالَ « ازْدَهِرْ بِهَا يَا أَبَا قَتَادَةَ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ » . ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ وَصَلَّوُا الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَرَّطْنَا فِى صَلاَتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا تَقُولُونَ إِنْ كَانَ أَمْرَ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ وَإِنْ كَانَ أَمْرَ دِينِكُمْ فَإِلَىَّ » . قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَّطْنَا فِى صَلاَتِنَا. فَقَالَ « لاَ تَفْرِيطَ فِى النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِى الْيَقَظَةِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوهَا وَمِنَ الْغَدِ وَقْتَهَا » . ثُمَّ قَالَ ظُنُّوا بِالْقَوْمِ قَالُوا إِنَّكَ قُلْتَ بِالأَمْسِ إِنْ لاَ تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا فَالنَّاسُ بِالْمَاءِ.... [1]
(1) - مسند أحمد (23209) صحيح