قلت: وقد قام الإجماع على وجوب طاعة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في كل مُحْكمٍ غير منسوخ ووجوب تصديقه في كل ما أخبر به؛ لأن هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن مقتضيات شهادة (أن محمدًا رسول الله) .
ولذلك قال ابن حزم في مراتب الإجماع [1] :"واتّفقوا أن كلام رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - إذا صحَّ أنه كلامه بيقين: فواجبٌ اتّباعه.. واتّفقوا أنه لا يحل ترك ما صحّ من الكتاب والسنة".
وقال أبو الحسن ابن القطان الفاسي في الإقناع في مسائل الإجماع [2] :"وأجمعوا على التصديق بما جاء به رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - في كتاب الله تعالى، وما ثبت به النقل من سائر سُننه، ووجوب العمل بمحكمه، والإقرار بنصّ بمتشابهه، وردّ كل ما لم نُحط به علمًا بتفسيره إلى الله تعالى، مع الإيمان بنصّه"..
أما الأفعال التي يفعلها النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الجبّلة البشرية، فليست وحيًا.
وهذه مما يستدلّ العلماء كلُّهم على إباحة تلك الأفعال التي كان يفعلها النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - على وجه البشرية.
ولكنْ هل كان أحدٌ منهم يقول أو يعتقد: أن هذه الأفعال يُمكن أن تكون محرّمة مع كون النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلها؟!!
إذن فإقرار الله تعالى لتلك الأفعال الجبليّة من النبي - - صلى الله عليه وسلم - يجعل أقل ما يُستفاد منها الإباحة، والإباحة تشريع. كما أن الإقرار الإلهي لنبيّه - - صلى الله عليه وسلم - وَجْهٌ من وجوه الوحي، كما قدّمناه. ولذلك نزلت تشريعاتٌ وقيود في بعض الأمور العاديّة البشرية: في الأكل والشرب واللباس.. وغيرها، ولا تردَّدَ أحدٌ من أهل العلم في الاحتجاج بها.
وبذلك يتّضح أن قولي بأنّ السنَّة كلّها وحي حالًا أو مآلًا، يتناول أيضًا الأفعال التي كان النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - يفعلها على وجه الجبلّة والعادة؛ لأنّها مع الإقرار الإلهي تدل على الإباحة في أقل الأحوال.
(2) - (رقم 129)