وهذا الحديث جاء في الاجتهاد من الصحابة في أمر الدين بمحضر النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا كالاجتهاد في مورد النصّ؛ ولذلك قال النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - لهم هذا القول. ومعنى الحديث حينها: أمور الدنيا التي لا نصّ فيها فلكم الاجتهاد فيها، أما ما كان فيه نصّ فلا اجتهاد في مورد النصّ. ولا علاقة لهذا الحديث بتقسيم السنَّة إلى: سنَّة في أمور الدنيا، وسنَّة في أمور الدين؛ لأن من أمور الدنيا ما وردت فيه سنةُ وحي ، وعندها ستكون هذه الأمور الدنيوية التي وردت فيها السنة (بورودها فيه) من أمور الدين؛ لأنها أصبحت تشريعًا وحكمًا إلهيًّا. فالقسمة لا يصح أن تكون بناءً على الدنيا والدين، بمعنى فصل الدِّين عن الحياة، هذا التقسيم باطلٌ من أساسه.
وإنما جاء الحديث ليبيّن للصحابة: متى يحقُّ لهم الاجتهاد بمحضر النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ومتى لا يحقُّ لهم ذلك. فما كان فيه نصٌ فهو دينٌ بورود النصّ فيه، وما يتعلق بالحلال والحرام فهو دينٌ أيضًا، كالنوم عن الصلاة وترتّب الإثم عليه وعدم ترتبه عليه؛ فهذا لا حاجة للاجتهاد فيه مع وجود المبلِّغ عن الله تعالى وحضوره بين أيديهم، وهو رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - . وما لم يكن فيه نصٌّ من أمور الدنيا والمعاش، فهذا ما يجوز للصحابة أن يجتهدوا فيه، ولو بمحضره - - صلى الله عليه وسلم - . [1]
(1) - انظر مقال السنة وحي من رب العالمين في أمور الدنيا والدين"للدكتور / الشريف حاتم العوني حفظه الله"