السلام دليلًا على نسخ ما تقدم» .
فأقول: ليس هذا بشيء فقد تقرر في الأصول أن الحكم إذا ثبت فادعي بعض الصحابة نسخة وخالفه غيره منهم، لم يثبت النسخ بتلك الدعوى إذ قد يكون استند صاحبها إلى مالا يوافقه غيره على أنه دليل يوجب النسخ. وقد اختلف الصحابة في عدة أحكام ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وخالفه غيره، ولم يرا المخالف في قول صاحبه: هذامنسوخ حجة، ولا رأى القائل قوله ذلك كافيا في إثبانت النسخ، فكيف يظن بعلي أن يكون يرى أن الرفع منسوخ ثم يخبر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع، ويعلم أن غيره من الصحابة يخبرون بذلك ويعلمون به عملًا شائعًا ذائعًا ثم لا يتبع على إخباره بذلك ببيان الحجة على نسخة ويعلن ذلك؟
بل يقتصر على ماليس بدليل على النسخ ولا صريح في دعواه ولا ظاهر فيها وهو الترك، إذ قد لا يرقبه الناس في صلاته، فإن رقبة بعضهم فقد يقول لعله ترك لبيان ألجواز، أو لعذر، أو سها، أو ترخص كما ترخص عثمان وغيره في ترك التكبيرات أوجهر بها كما تقدم. هذا ما لا يكون فالحق ماتقدم من وهم أثر النهشلي أو وهم كليب، وتحقق ما قاله البخاري إنه لا يثبت عن أحد من الصحابة ترك الرفع إلى ان يكون بعضهم تركه في وقت ما لبيان الجواز أو غيره مما تقدم. والله أعلم.
وأما الامر السابع وهو قول الكوثري: «فيدل ذلك على التخيير الأصلي» فإن أراد بالتخيير الأصلي إن احد الأمرين مندوب والأخر جائز فهذا وجه ويتعين أن يكون المندوب هو الرفع فيكون تركه تركًا لمندوب وهو جاء في الجملة ولا يصح عكسه فإن من يرفع على وجه التعبد كما لا يخفى ولو كان الرفع غير مشروع فكان فعله على وجه التعبد بدعة وكذبًا على الله تعالى وتكذيبًا بآياته فيكيف يقال أنه جائز؟ وإن أريد ان كلا الامرين مندوب، فندب الرفع حق ثابت معقول ولا دليل على ندب الترك مطلقًا، ولا هو مع ندب الفعل بمعقول، فإن ترك المندوب حيث ندب إنما يكون مكروهًا أو خلاف الأولى والتخيير بين