حكما فصارت هذه الافعال حسنة خالصة من الله جل وعلا للعبد بلا واسطة كالصلاة ومن ثمة شرطت فيها الاهلية الكاملة من العقل والبلوغ كالصلاة خلافا للشافعي في الزكاة وهذا هو القسم الثالث ثم هذا ما عليه الجمهور وذهب صدر الشريعة الى ان الغير دفع حاجة الفقير وقهر النفس وزيارة البيت لكن الفقير والبيت لا يستحقان هذه العبادة والنفس مجبولة على المعصية فلا يحسن قهرها فارتفع الوسائط فصارت تعبدا محضا لله تعالى ودفع بان هذه الافعال الاختيارية للعبد في الخارج هي الزكاة والصوم والحج لا شيء اخر فلا يصلح ان تكون وسائط لانتفاء التغاير بينهما في الخارج وتعقبه في التلويح بأنه لا خفاء في انها ليست نفس الزكاة والصوم والحج وفيه نظر وتعقب ما عليه الجمهور بان فيه نظرا اذ الواسطة ما يكون حسن الفعل لاجل حسنها وظاهر ان نفس الحاجة والشهوة ليست ذلك ودفع بأنه لا يلزم من كون الفعل حسنا لأجل واسطة ان تكون الواسطة حسنة ونظيره الكلام متصف بالبلاغة والفصاحة بواسطة المعنى الاول ولا يكون المعنى الاول متصفا بها كما تقرر في موضعه ويؤيده ما يأتي في القسم الرابع وهو قوله و
( ما )
حسن
( لغيره )
حال كونه
( غير ملحق )
بما حسن لنفسه
( كالجهاد والحد وصلاة الجنازة )
فان حسنها
( بواسطة الكفر )
أي كفر الكافر كما في الجهاد لان فيه اعلاء كلمة الله وكبت اعدائه
( والزجر )
للجاني عن المعاصي كما في الحد فإنه شرع لهذا المعنى ( والميت المسلم غير الباغي ) وقاطع الطريق أيضا أي وإسلام الميت المذكور كما في صلاة الجنازة فانها شرعت لقضاء حقه ولهذا لو انتفى الكفر انتفى الجهاد أو الجناية الموجبة للحد انتفى الحد أو اسلام الميت أو قضاء حقه بالصلاة عليه انتفت شرعيتها والا فمجرد تخريب بلاد الله وقتل عباد الله وايلامهم وتعذيبهم والصلاة المذكور بدون الميت المذكور ليس بحسن في ذاته وانما
( اعبرت الوسائط )
في هذا القسم
( لانها )
أي الوسائط
( باختياره )
أي العبد المتصف بها فلم تضف اليه تعالى هذا على ما عليه الجمهور واشار في التلويح الى تعقبه بمثل التعقب عليهم فيما قبله وقد عرفت ما فيه وذهب صدر الشريعة الى ان الواسطة في الجهاد إعلاء كلمة الله وفي صلاة الجنازة قضاء حق الميت المسلم ثم لما كان المقصود منهما يتأدى بعينهما كانا شبيهين بالحسن لمعنى في نفسه لان مفهوم الجهاد القتل والضرب وامثالهما وهذا ليس اعلاء كلمة الله تعالى لكن في الخارج صار اعلاءها كالسقي في المفهوم هو غير الارواء ولكن في الخارج هو عينه وعلى هذا القياس في الباقي قيل والتحقيق ان هنا ثلاثة امور المأمور به وهو الجهاد ونحوه والمقصود الذي يتادى بالمأمور به وهو اعلاء كلمة الله تعالى وقضاء حق الميت والسبب المفضي اليه الموجب له وهو كفر الكافر واسلام الميت اما كون اعلاء كلمة الله مقصودا من الجهاد فلان الجهاد في نفسه تخريب بنيان الرب وبلاده فلا جهة لكونه مقصودا في نفسه وكذا صلاة الجنازة بلا ميت عبث والمعاني المقصودة من هذه المأمورات بها وان كانت