من آل، وأما الآخر فهو على وزن فاعل وتأنيثه الآخرة، وأصل آخر يأخر لكنهم أماتوا هذا التصريف، ويقال: نظر فلان بمؤخر عينه، ويقال: باعه بآخرة، بكسر الخاء، أى نظرة، ويقال: جاء فلان بآخرة، بفتح الخاء، أى أخيرا، وأما الآخر بفتح الخاء فتأنيثه الأخرى، وفى وصف القديم سبحانه الأول بمعنى القديم الّذي لا ابتداء له، وهو بمعنى السابق في وصفه والأبدى والأزلى، وأما الآخر في وصفه فهو بمعنى أنه لا نهاية ولا انقضاء لوجوده، وكونه أولا لا يقتضي أن لا يكون معه غيره، وإنما علمنا أنه لم يكن معه غيره في الأزل بدليل آخر لا بكونه أولا قديما، وليس إذا كان آخرا يجب أن يكون معه غيره فيما لا يزال كما توهم بعضهم وقال: إنه يفنى الجنة والنار حتى لا يبقى غيره لأنه قال: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) فكما لم يكن معه في الأزل غيره لأنه أول، كذلك لا يكون معه فيما لا يزال غيره لأنه آخر، وهذا الّذي قاله باطل لما ذكرناه.
وأما الظاهر في وصفه تعالى فقيل: معناه القادر على خلقه، يقال: ظهر فلان على فلان، أى قدر عليه وقهره.
والباطن في وصفه تعالى قيل بمعنى العليم بخلقه المدبر لأحوالهم، وقيل معناه: الظاهر بآياته وبراهينه ودلالات توحيده، والباطن المتعزز على قوم حتى جحدوه ولم يتحققوا بوجوده.
وقيل: الأول إخبار عن قدمه والآخر إخبار عن استحالة عدمه، والظاهر إخبار عن قدرته، والباطن إخبار عن علمه وحكمته، وقال بعضهم: معناه أنه الأول بالأمور، وهو مجريها ومتوليها، كما يقول فلان: أول هذا الحديث وآخره وظاهر هذا الأمر وباطنه، أى هو متوليه ومدبره، وله ذلك وإليه يعود كله، ويقال: إنه يشير إلى صفات أفعاله بهذه الأسماء، وهو الأول بإحسانه والآخر بغفرانه، والظاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: هو الأول
بحسن تعريفه، إذ لولاه ولو لا فضله ولو لا ما بدأك به من إحسانه لما عرفته، وفى معناه أنشدوا:
سقيا لمعهدك الّذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا
وهو الآخر بإكمال لطفه عما كان أولا بابتداء عرفه، وهو الظاهر بما يفيض عليك من العطايا والنعماء، والباطن بما يدفع عنك من فنون البلاء وصنوف الأذى، وقيل الظاهر لقوم فلذلك وجدوه، والباطن عن قوم فلذلك جحدوه، وقيل: ظاهر للقلوب بحكم البرهان، باطن عن العيون بحق العيان وقيل: الأول بالهداية والآخر بالرعاية والظاهر بالكفاية والباطن بالعناية، وقيل: الأول بالتحقيق والآخر بالتوفيق، والظاهر بالتأييد والباطن بالتسديد، وقيل: الأول بالإسعاد والآخر بالإمداد، والظاهر بالإيجاد والباطن بالإرشاد، وقيل: الأول بأن عرفك والآخر بأن شرفك، والظاهر بما أسعفك والباطن بما لاطفك.
ويحكى عن أبي يزيد أنه قال: إن لم أعرف ما أولى وما أخرى، وما ظاهر حالى وباطن أمرى، فأنا لا أعلم من الأول والآخر والظاهر والباطن.
وقيل: لما قال إبليس: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) (1) أى لآتينهم من بين أيديهم لأشككهم في أمر آخرتهم، ومن خلفهم لأزين لهم أحوال الدنيا، وعن أيمانهم لأنسينهم أمر الآخرة، وعن شمائلهم لأزين الباطل في أعينهم، قال الله تعالى:"أنا الأول أحفظ عليهم دينهم، وأنا الآخر أختم لهم بالسعادة، والظاهر أفيض عليهم النعم، والباطن أسبغ عليهم المنن، وأكفيهم أشغالهم وأصون بالسعادة مالهم وأصلح أعمالهم وأصدق آمالهم."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأعراف: 17.