فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 347

وقد قال بعض المشايخ: إنما يعرف توحيد الرجل عند الصدمة الأولى من المحنة، يعنى بذلك إقباله على الله بقلبه في أول الوهلة.

وقد حكى عن أحمد بن أبى الحوارى أنه قال: كنت مع أبى سليمان الدارانى في طريق مكة فسقطت منى السطيحة، فأخبرت أبا سليمان بذلك قال: يا راد الضالة، يا هادي من الضلالة، اردد علينا الضالة، قال: فلم ألبث حتى أتى رجل يقول: من سقطت منه سطيحة، فإذا هي سطيحتى، قال: فأخذتها، قال أبو سليمان: حسبت أنه يتركنا بلا ماء فمضينا قليلا، وكان برد شديد، وعلينا الفرا، فرأينا رجلا عليه طمران رثان وهو يترشح عرقا، فقال أبو سليمان: نواسيك من فضل ما معنا، فقال: الحر والبرد خلقان من خلق الله، إن أمرهما غشيانى، وإن أمرهما تركانى، فأنا أسير في هذه البادية منذ ثلاثين سنة ما ارتعدت ولا انتفضت، يلبسنى في البرد فيحا من محبته، ويلبسنى في الحر برد رحمته، يا دارانى، تشير إلى الزهد وتجد البرد، يا دارانى تبكى وتصيح وتستريح إلى الترويح، قال: فمضى أبو سليمان وهو يقول: لم يعرفنى غيره.

قال الأستاذ: هذه الحكاية تدل على أن أبا سليمان صدق في فزعه إلى الله تعالى والتجائه إلى الله عند فقد السطيحة فحقق الله ظنه لما وصل إليه مفقوده، ثم صانه عن محل الإعجاب بما أراه من محل من زاد عليه في معناه، ثم صغر في عينه حال نفسه بما اطلع عليه من مزية غيره عليه في مقامه، وتلك سنة الله مع أوليائه أن يصونهم عن ملاحظة الأعمال ويصغر في أعينهم ما يصفو لهم من الأحوال.

وكان الشيخ أبو عليّ الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: علامة من كان صادقا فيما ظهر عليه من التواجد، أن تكون خجلته بعد صحوه من تلك الغلبة أكثر من خجلة من قارف كبيرة، وكان كثيرا ما ينشد في معناه:

يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام

وسئل الشبلى عن أفضل الطاعات فأنشأ يقول:

إذا محاسنى اللاتى أدل بها ... كانت ذنوبى فقل لي كيف أعتذر

هكذا وصف من يعتقد في معنى اسم الله تعالى أنه الّذي يفزع إليه في النوائب لا يساكن المخلوقين ولا يستعين بغير رب العالمين، يغتنم خلوته ثم يصفى دعوته ويظهر سرا بين يديه غصته، وبرفع إليه بإخلاص القلب قصته، فإن وافق دعوته سابق القضاء فاز بالنجح والظفر بجزيل العطاء وإن كانت القسمة بخلاف ما طلب من البغية ألبسه الله لباس الرضا، فهو بحسن أدبه بل بكمال وده ومحبته بعد المنع عطاء ومنحة والرد إجابة وقربة، وفى معناه أنشدوا:

أريد عطاءه ويريد منعى ... فأترك ما أريد لما يريد

وأنشد آخر:

حين أسلمتنى إلى الذال واللام [الذل] ... تلقيتنى بعين وزاى [العز]

وقل من يوفق للدعاء ثم لا يستجاب له، فإن من لا يكون أهلا للإجابة قل ما ينطق لسانه بالمسألة.

وقد حكى عن بعضهم أنه باع جارية له فندم على بيعها فاستحيا من الناس أن يظهر حالته، فكتب حاجته على كفه ورفعها إلى السماء، فلما أصبح قرع عليه الباب فقال: من أنت؟ فقال: مشترى الجارية مع الجارية، فقال: اصبر حتى آتيك بالثمن، فقال: لست أريد الثمن، فإنى أخذت خيرا من ذلك، إنى رأيت في المنام رب العزة يقول لي: إن البائع ولىّ من أوليائنا وقلبه معلق بها، فإن رددتها إليه بلا ثمن أدخلناك الجنة بلا عمل، فأنا آثرت الثواب على الثمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت