وفى معناه أنشدوا:
عذيرى سولى أن أرى منك خلوة ... فأشكو الّذي بى من هواك وتسمع
تمنى أناس ما أحبوا وإنما ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمع
وفى خلافه قال بعض من شكا من بلاء الرقيب:
لم ترد ماء وجهه العين ... إلا شرفت قبل ربها برقيب
وقد قيل في تأويل الآية عن الحسن البصرى: لا تحسن صلاتك في العلانية وتسئ في السر، فعلى هذا التأويل، الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، وفيه الأمر بالإخلاص في الطاعات، وترك التصنع للمخلوقات ونفى التزين للمصنوعات، والاكتفاء برؤية رب الأرضين والسماوات، وتصفية الأعمال من الآفات وتنقية الأحوال من المكدورات.
وسئل الشبلى عن مثل هذا فقال: أن لا يكون بكلام غيره لافظا، ولا يكون لغير ربه لاحظا، ولا يرى لنفسه دون ربه حافظا.
وروى عن عائشة رضي الله عنها وعن ابن عباس وجماعة من المفسرين أن تأويل الآية: لا تجهر بدعائك، قالوا: هو أن يذنب العبد سرّا، فقيل له لا تظهر للناس تفصيل توبتك فيطلعوا على ما سترت عليك من زلتك، ولا تخافت بها أى لا تترك الاستغفار، وفارق الإصرار ولا تأمن الاغترار، فلمعبودك فاعتذر ومن مجهودك لا تدخر، أى أسمعنا خطابك تصر زلتك مغفورة، ولا تفش سرك تبق حالتك مستورة.
ومن كمال كرمه أن يستر على المنهمكين، ويسبل ستر عفوه على
المتهتكين، ويسحب ذيل حلمه على الخاطئين، أما تخشى هتك سترك في عقباك، أما تحذر كشف سترك لما سلف من خطاياك، أين أنت من لطف مولاك لما اقترفت ما نهاك، حيث ناداك فقال: لا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها.
وفى معناه أنشد بعضهم:
ارخ سترا على حقارة فعلى ... هتك ستر المحب ليس يحل
ربما قصر الفقير المقل ... في حقوق بهن لا يستقل
ولئن قل خدمة ووفاء ... فولاء وحرمة لا تقل
وقال عطاء الخرسانى: إن الصّدّيق رضي الله عنه كان يخافت في صلاته بالليل، فلا يرفع صوته بقراءته، وكان عمر رضي الله عنه يجهر في صلاته، فسأل رسول اللهصلى الله عليه وسلم أبا بكر عن فعله فقال: أسمع من أناجى، وقال عمر: أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، وأرضى الرحمن، فأمر أبا بكر حتى رفع قليلا وأمر عمر حتى خفض قليلا.
وفى الخبر إشارة إلى أن الصواب والحسن ما حصل بالإذن والأمر ما استحسنه الإنسان بعقله واستصوبه من ذات نفسه، وفيه إشارة إلى أن الشيء قد يكون حسنا وغيره أحسن منه فيدعى إلى الأحسن عن الأول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهما لكنه أوقفهما على ما هو الأحسن والأصوب.
ودل هذا الخير على مزية الصديق، وبلوغه رتبة التحقيق حيث أخبر عن التوحيد فقال: أسمع من أناجى، وعمر أخبر أنه يجاهد الشيطان ويوقظ