لما كانت جملة من الملامح والتطورات الجديدة التي طرأت على طبيعة وهيكلة النظام العالمي قد اتضحت معالمها بدءا بسقوط المنظومة الشيوعية واندلاع حرب الخليج الثانية مع مطلع التسعينات في القرن السابق. وما تلا ذلك من نهضة عارمة في نظم الاتصال والمعلومات وبروز قوى لتكتلات اقتصادية عملاقة، فقد بات من الضروري على أية دولة في هذا المحيط المتلاطم بأمواج التحدي المتنوعة التكيف مع إرهاصات هذا الواقع الجديد وذلك من خلال وقفة جادة مع الذات لمراجعة وتقييم جميع الفرص المتاحة أمامها وكذلك القيود المفروضة عليها لاجتياز هذه المرحلة بأكبر نجاح ممكن، سواء من خلال إمكاناتها الفردية أو عبر التنسيق والتعاون مع الدوائر الإقليمية والعالمية المحيطة بها.
وفي ظل هذه الظروف التي تشهد سلسلة متواصلة من التغييرات الكبيرة على مختلف الأصعدة محليا وإقليميا وعالميا وسط حيز مكاني وجغرافي آخذ في الانكماش والتقارب، والذي استقطب أيضا تعريفات جديدة كالعولمة أو الكوكبة، تواجه منطقة الخليج تحديات وصعوبات حقيقية تحتم على دولها منفردة ومجتمعة المبادرة الفورية إلى صياغة مسارات جديدة تتفق مع طموحاتها وتطلعات شعوبها من جهة، ومع إمكانياتها ودورها الارتكازي في سيناريوهات محتملة لطبيعة وهيكلية النظام العالمي من جهة أخرى [1] .
إن الدول مطالبة، اختيارا أو قسرا، خلال فترة التحول التاريخي إلى الألفية الثالثة، بتحديد الدروس المستفادة من انحيازاتها السابقة وكذلك الإخفاقات التي اعترت مسيرتها التنموية محليا، وخطواتها نحو تفعيل وترجمة حلم التكامل الاقتصادي إقليميا كخيار لا يقبل المساومة أو التسويق في مواجهة تحديات العولمة القادمة بقوة وإصرار، والدوران في فلك النظام العالمي الجديد بثبات وثقة واقتدار.
ولرصد الآثار الناجمة عن التحويلات المثيرة التي تشهدها المنظومة العالمية منذ العقد الأخير في القرن العشرين وأطرادها مع مطلع الألفية الجديدة، خصوصا في البعد الاقتصادي، على إقليم الخليج، لا بد من شرح أبرز ملامح ظاهرة العولمة وتفسيراتها العلمية والنمطية والأركان التي تقوم عليها إضافة إلى أهم آليات عملها في الوقت
(1) عبد الله إسماعيل صبري: الكوكبة الرأسمالية العالمية, المستقبل العربي (222) 1998 ص 4.