ومما يزيد في تقليل الفرق بين التعطيل والتبديل أن التعطيل نفسه نوع من التبديل لأنه إما أن يصار إلى الحكم الشرعي فيطبق وإما أن يعدل عنه فيلغي وهذا نوع من التبديل لأنه نسخ لأحكام الله.
والنسخ قد يكون إلى بدل وقد يكون إلى غير بدل.
الذي أقصده أن التعطيل لا يختلف عن التبديل لا من ناحية المعني ولا من ناحية علة حظر الحكم بغير ما أنزل الله.
وإنما استثني العلماء حالة واحدة هي ما إذا حكم الحاكم في مسألة واحدة بغير ما أنزل الله مع التزامه من حيث الجملة بشرع الله ..
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا المذهب لأنهم اعتبروا أن تعطيل شرع الله في مسألة واحدة ندرة مع التزامه في الغالب لا يعتبر خروجا على شرع الله ..
والأحكام تتبع الغالب لا النادر.
وقد حمل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه مقولة (كفر دون كفر) المنسوبة إلى ابن عباس والتي لم تثبت عنه على هذه الحالة (أي حالة تعطيل شرع الله في المسألة الواحدة مع التزامه من حيث الجملة)
ولعله يصلح أن يستدل لهذا القول بمحاولة أسامة بن زيد الشفاعة في المخزومية التي سرقت حيث أن النبي صلي الله عليه وسلم مع استنكاره لتلك الشفاعة لم يبين لأسامة رضي الله عنه أن تعطيل حد واحد يعتبر كفرا، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
فلما لم يبين النبي صلي الله عليه وسلم أن تعطيل حد واحد يعتبر كفرا عند حدوث السبب الموجب لذلك دل هذا على أن الأمر بخلاف ذلك.
الوجه الثاني:
من الأدلة الواضحة الدالة على أن مجرد التعطيل كفر قوله تعالي:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] فأناط الله سبحانه وتعالي الكفر بعدم الحكم بما أنزل الله ومعلوم أن كل معطل لشرع الله غير حاكم بما أنزل الله فيتعين الحكم عليه بالكفر ..