ومعنى هذا أن القاضي إذا حكم وكان حكمه مخالفا لحقيقة الواقع نظرا لكذب الشهود أو ضعف حجة المحق أو غياب بينته أوغير ذلك فالعبرة بحقيقة الأمر لا بحكم القاضي.
وهذا دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري:
عن زينب عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما اسمع، فمن قضيت له من حق أخيه، شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
وهذه القاعدة مبنية على أن العبرة بإصابة الحق لا بمنصب القاضي وهو أمر مجمع عليه.
قال بن المنذر:
(وأجمعوا على أن ما قضى به غير قاض جائز إذا كان مما يجوز) . الإجماع لابن المنذر - (1/ 64) .
القاعدة الثانية: أن المسلم مكلف بالعمل بالحكم الشرعي في حقيقة الأمر لا بعلم القاضي أو حكمه المخطئ.
وهذا مستفاد من القاعدة السابقة ومن قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن قضيت له من حق أخيه، شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) .
ويذكر الفقهاء صورا كثيرة لهذه القاعدة منها:
-أن المرأة إذا طلقها زوجها ولم تجد شاهدا على هذا الطلاق وحكم القاضي بردها إليه فلا يحل لها أن تمكن الزوج من نفسها بعد خروجها من عصمته لأنها علمت ما جهله القاضي، ولئن حكم القاضي لا يحل الحرام.
-أن الرجل إذا رأى الهلال ورفع الرؤية إلى القاضي ولم يعمل بها إما لرد شهادته وإما لعدم الشاهد الثاني عند من يقول به فيتعين على هذا الذي رفضت رؤيته أن يعمل بمقتضاها: فإن كان هلال رمضان صام، وإن كان هلال شوال أفطر.
والأمثلة كثيرة.