فهرس الكتاب

الصفحة 8488 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 263

وفيها بيان ربّانيّ عن حالتهم الّتي بلغوا بها الدّركة الميؤوس من إصلاحهم معها عن طريق إراداتهم الحرّة، وبيان عن كون الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم مثل الرّسل من قبله في الوحي إليه، وفي بشريّته، وأنّ اللّه سينصره كما نصر رسله عليهم السّلام من قبله، وأهلك الكفرة المسرفين في كفرهم وعنادهم.

التدبر التحليلي:

قول اللّه تعالى:

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) :

المراد بالنّاس في هذه الآية فيما يظهر: أئمّة الكفر والشّرك في مكّة إبّان التّنزيل، بدليل وصفهم في هذه الآية وفي الآيتين بعدها؛ بأوصاف تكشف أنّهم هم المرادون.

والمراد باقتراب حسابهم فيما ظهر لي؛ اقتراب تنفيذ محاسبتهم على جرائمهم، وإصرارهم بعناد على الكفر وجحود الحقّ، وتنفيذ ما يتبع محاسبتهم من القضاء بتعذيبهم وإهلاكهم، لبلوغهم دركة لا يستجيبون معها لدعوة الحقّ الرّبّانيّة عن طريق إراداتهم الحرّة مهما أمهلوا، فقد أمهلوا إمهالا طويلا منذ بدء البعثة المحمّديّة حتّى نزول هذه السّورة، فكان من الحكمة إنذارهم باقتراب حسابهم والحكم عليهم بالتّعذيب والإهلاك في الحياة الدّنيا، وقد تحقّق هذا فعلا في غزوة بدر الّتي قتل فيها صناديد أئمّة الشّرك والكفر العناديّ الجحودي للحقّ، على الرّغم من ظهور أدلّته، ووضوح براهينه، وسقوط ذرائع المشركين، وافتضاح إصرارهم على الباطل.

وقد وصف اللّه عزّ وجلّ حال هؤلاء المعنيّين بعنوان النّاس بعدّة صفات، أوّلها: قوله تعالى: ... وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) : أي:

اقترب لهؤلاء حسابهم ولواحقه، باقتراب الزّمن الّذي يتحقّق فيه، فهم إبّان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت