معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 503
أي: وسيجنّب النّار، ويبعد عنها، فلا يدخل فيها، ويوقى من كلّ أنواع عذابها، الأتقى.
الأتقى: هو الّذي بلغ كمال التّقوى، بفعل كلّ ما أوجب اللّه، وترك كلّ ما حرّم اللّه، لا الّذي فيه بعض التّقوى وبعض العصيان، أي: فالّذي له معاص نقص بها عن كمال مرتبة التّقوى، فقد لا يجنّبها، بل قد يعذّب بها، إلّا أنّه عذاب لا يصل إلى دركة الصّلي، بل هو عذاب دون ذلك.
وما دام التوجيه السلوكيّ في السّورة قد أعطى العناية الكبرى لبذل المال إلى مستحقّيه من المساكين، وذوي الحاجات، كان من المناسب أن يصف اللّه عزّ وجلّ الأتقى بقوله: الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) .
يؤتي ماله: أي: يعطي ماله.
يتزكّى: أي: يتطهّر بالعطاء من رذيلة البخل، ومن إثم المعصية، وينمو به عند اللّه كمالا، فالزكاة تدور حول معنيي الطهارة والنّماء.
وقد يلاحظ أنّ إدخال كلمة: (يتزكى) في عبارة الترغيب في العطاء، خلال هذه المرحلة المبكّرة من تنزّلات القرآن، هو من باب التوطئة لعنوان"الزكاة"الّتي ستفرض على المسلمين فيما بعد.
وجاء قول اللّه عزّ وجل: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) لبيان أنّ مقتضيات التقوى توجب على الباذل لماله الذي يجب عليه أن يبذل من ماله ليتزكّى، أن لا يجمع بين المكافأة على نعمة وصلت إليه من أحد من مستحقّي المساعدة الماليّة، وبين الزكاة، وذلك بجعل المكافأة هي زكاة ماله، فالمكافأة يجب أن تكون عطاء منفصلا عن إعطاء الزكاة لمن يستحقّها.
فالجملة القرآنيّة خاصّة ببيان أنّ البذل ابتغاء وجه اللّه لا يصحّ أن يدمج فيه إرادة مكافأة المنعم على إنعامه، وفي بسط هذا أقول: