معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 38
النّاس في الحياة الدنيا، بشرط اقترانها بإدراك دلائل الإيمان فيها، وابتغاء الدّار الآخرة فيما آتى اللّه عزّ وجلّ الإنسان من آثارها وثمراتها النّافعات، مع الأخذ بنصيبه النافع منها لمتاع الحياة الدّنيا.
وهنا يرد سؤال يتطلّب جوابا، وهو: ما هي الحاجة الشّديدة الّتي تفرض على الإنسان أن يكون ملمّا بعلوم الدّين، وتجعل من مقتضيات حكمة الرّبّ الخالق، أن يوجّه للنّاس رسالات منه، يصطفي لحملها ولتبليغها للنّاس خيرة من عباده، وهذه الرّسالات تتضمّن تعريفهم بالحقّ والصّراط المستقيم الّذي يحقّق لهم إذا اتّبعوه واهتدوا بهديه سعادة الدّنيا والآخرة؟
ويأتي الجواب في الدّرس الثّاني من دروس السورة الثلاثة، مشيرا إلى السّبب الدّاعي إلى إرسال رسل وفي خاتمتهم محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ليبلّغوا رسالات ربّهم لعباده، وهذا السّبب يشتمل على عنصرين:
العنصر الأول: أنّ الإنسان في الحياة الدّنيا متى شعر باستغنائه بأسبابه الّتي أتاحها اللّه له طغى، فغطّى طغيانه على بصيرته، فكفر بربّه، وجحد الحقّ، فظلم وبغى، وزيّن ظلمه وبغيه بزخرف القول، والدّعاوى الكاذبة الباطلة، وسخّر ما لديه من قوى وأنصار، لتحقيق مطالب نفسه الجائرة الظّالمة الآثمة.
العنصر الثاني: أن الإنسان لا يستطيع بنفسه إدراك الحياة الأخرى، وما فيها من حساب وفصل قضاء وتنفيذ جزاء، في دار النعيم الجنّة، أو في دار العذاب النّار، ولو أدرك بعقله ضرورة تحقّق الجزاء، لكنّه لا يستطيع تصوّر عناصره وكيف يكون، فاحتاج إلى رسالة من الرّبّ الخالق تبيّن له الدّار الآخرة وما أعدّ اللّه فيها من جزاء.
وهذا الدّرس الثاني يتألّف من ثلاث آيات، هي قول اللّه عزّ وجلّ فيها: