معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 268
أمّا إذا كان احتمال نفع التذكير ميئوسا منه جزما، فعلى الداعي حينئذ أن يوفّر جهوده ويعرض عن الميئوس منهم يأسا مقطوعا به، أو يتولّى عنهم، عملا بقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29) .
وعملا بقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الذّاريات/ 51 مصحف/ 67 نزول) بشأن الميئوس قطعا من استجابتهم:
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) .
الإعراض أخفّ من التّولي، فالتولّي إنما يكون بالنسبة إلى الحالات الأشدّ، وهي الحالات الّتي وصل أصحابها إلى مواقف العداء العلني.
وعلى هذا نفهم من قول اللّه عزّ وجلّ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فاصبر على متابعة تذكيرك مهما لاقيت من مزعجات ومؤذيات، مستسلما لحكم ربّك.
وبعد الأمر بالصبر استسلاما لحكم الرّبّ، حذّر اللّه عزّ وجلّ الداعي إلى سبيل ربّه بأسلوب الخطاب الموجّه للرسول فقال له:
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ ...
وهو يونس بن متّى عليه السّلام، فقد بعثه اللّه عزّ وجلّ إلى أهل نينوى من أرض الموصل، فدعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ، فكذّبوه، وأصرّوا على كفرهم وعنادهم، فضاق يونس بهم ذرعا، فذهب عنهم مغاضبا، بعد أن أوعدهم بحلول عذاب اللّه بهم بعد ثلاث، وكان انصرافه عنهم بغير إذن من اللّه.
فلمّا غادرهم، وجاءتهم نذر العذاب خافوا، فتابوا إلى اللّه، وندموا على ما كان منهم تجاه الرّسول الذي أرسله اللّه إليهم.