وهنا وقفة وهي أنه من الملاحظ أن غالب هذه الفتن السابقة الذكر, كانت تحدث عند خروج الرافضة لقبر الحسين - رضي الله عنه - , ولم يذكر في الفتن التي كانت قبل ظهور دولة البويهين أن من أسبابها خروجهم لقبر علي - رضي الله عنه - , مما يدل على أنه لم يكن له قبرٌ ظاهرٌ قبل ادعاء البويهين للمشهد الذي بالنجف, وإلا كانوا خرجوا إليه وأحدثوا فيه, كما هو الأمر في قبر الحسين - رضي الله عنه - , ولكن شيئًا من ذلك لم يكن قبل ظهور البويهين, وإنما هذا مما يظهر أن ادعائهم ذلك كذبًا وزورًا وبهتانا.
ويعاضد ذلك أن ابن كثير نقل أن غالبية المؤرخين قالوا: إن قبر الإمام علي يوجد بدار الإمارة بالكوفة، ومنهم: محمد بن عمر الواقدي ت (207 هـ) ، وابن جرير الطبري ت (310 هـ) ، وأبو بكر الخطيب البغدادي ت (463 هـ) . وأما الإدعاء بأن قبره بالنجف، فلا دليل عليه و لا أصل له [1] .
وكما أن من البدع والمحدثات التي ظهرت في هذه الحقبة, بدعة إلباس سراويلات الفتوة [2] ورمي البندق, والطيور المناسيب [3] [4] :
وقد عرض بها ابن الأثير في كلامه عن الناصر لدين الله حيث قال عنه:"كان قبيح السيرة، في رعيته ظالمًا، فخرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أملاكهم وأموالهم، وكان يفعل الشيء وضده، فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد; ليفطر الناس عليها في رمضان، فبقيت مدة، ثم قطع ذلك، ثم عمل دور الضيافة للحجاج، فبقيت مدة،"
(1) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 365) .
(2) الفتوة: في اللغة السخاء والكرم، وفي اصطلاح أهل الحقيقة-المتصوفة-: هي أن تؤثر الخلق على نفسك بالدنيا والآخرة, التعريفات (1/ 165) , وسيأتي الكلام عنها وأنها من البدع التي أنكرها العلماء, ص (57 - 59) .
(3) الحمام الهوادي, هي التي يقال لها: المناسيب وهي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها, الكامل (10/ 38) .
(4) تاريخ الإسلام (42/ 50) , ومآثر الإنافة في معالم الخلافة (2/ 57) .